ومَثَلُه مَثَلُ السلطان إذا كان وقورًا، حليمًا، ساكنًا؛ عاشَتْ به رعيته، وإذا غضب واحتَدَّ قَتَلَ.
فصل
وأمَّا "البَلْغَم": فخِلْطٌ فِجٌّ مُسْتَعْدٍ لَيِّنٌ، يستكمل نُضْجَه عند عَوَز الغذاء إذا ما تولَّتْهُ الحرارة الغريزيَّة، فهَضَمَتْهُ وصَيَّرَتْهُ دمًا، فيتكوَّنُ في "المعدة" و"الأمعاء"، وفي "الكبد" عند قصور الهضم.
وفيه من المنفعة أنَّه يرطِّبُ البدنَ، وَيَبُلُّ المفاصلَ، لِيُسْلِسَ١ حركاتها، ويخالِطُ "الدَّم" في تغذية الأعضاء البلغميَّة المِزَاج كـ: "الدِّماغ".
فإن قيل: ما الحكمة أنَّه لم يجعل "للبَلْغَم" عضوًا٢ مخصوصًا ينصبُّ إليه كـ "الرئتين"؟٣
قيل: لمَّا كانت الأعضاءُ محتاجةً أن يكون قريبًا منها لترطيبها؛ لم يُجْعَل له عضوٌ يختصُّ به، لا سيَّما والأعضاء تغتذي به إذا أَعْوَزَها الغذاءُ.
(٣) من قوله: "ما الحكمة أنه لم يجعل. . ." إلى هنا؛ ساقط من (ح) و(م).
وحاجة البدن إليها في أن تخالط "الدَّم"، وتُرِقَّهُ١ بلُطْفِها، وتُنْفِذَه في المسالك الضيِّقة، ولتعينه في تغذية الأعضاءِ الحارَّةِ اليابسة.
وما ينفصِلُ٢ عنها ممَّا يُسْتَغْنَى عنه يتصفَّى إلى "المَرَارة" لتأخذ نصيبها منه، وما تستغني عنه "المَرَارة" تَصُبُّهُ إلى "الأمعاء" لتغسلها عن لَطْخَة الأَثْفَال ولُزُوجَتِها، وَلِتَدْعُوَ عَضَلَ "المَقْعَدة" فتحسَّ بالحاجة إلى التبرُّزِ.
وفيه من المنافع أنَّه يَنْفُذُ مع "الدَّم" في "العُرُوق" ليشدَّهُ٣، ويقوِّيه، ويكفِتَهُ٤، ويمسكه، ويمنعه من سهولة الحرمة٥ عند الحاجة إلى ذلك، وتعينه في تغذية الأعضاء المحتاجة إلى٦ أن يكون في غذائها شيءٌ من "السوداء"٧ كـ "العِظَام".
وما انفَصَلَ٨ منه واستغنى عنه يُصَفَّى إلى "الطِّحَال"، فيصفِّيه "الطِّحَالُ" جدًّا، ويتغذَّى به، ثُمَّ يُجْلَبُ ما يَسْتَغنِي عنه "الطِّحَال" إلى فَم
(١) أي: تجعله رقيقًا، وهو ضد الغِلَظ والثَّخَانة. "لسان العرب" (٥/ ٢٨٦).
(٢) تصحفت في (ز) إلى: يتفصل، وسقطت من (ط).
(٣) بياض في (ط)، وفي (ح) و(م): ليسدّه! تصحيف.
(٤) في (ط): ويكيفه! وفي باقي النسخ: ويكفيه. ولعله تحريف ما أثبت.
(٥) كذا في جميع النسخ، ولم أَدْرِ معناها! والعبارة مرتبكة.