التبيان

فصل

وأمَّا الأعضاء المرؤوسة بلا خدمة؛ فهي أعضاءٌ مختصَّةٌ بقُوىً لها طبيعيَّة، بها يتمُّ تدبيرها، ويستقيم أمرها.

ولا بدَّ مع ذلك من أن١ يفيضَ٢ عليها من الأعضاء الرئيسة قُوىً تمدُّها بإذن الله - تعالى - كـ: "الأُذن"، و"العين"، و"الأنف". فإنَّ كلَّ واحدٍ منها يقوم بأمر نفسه بما فيه من القوَّةِ الطبيعيَّةِ التي أعطاها إيَّاهُ الخالقُ٣ سبحانه، ولا يتمُّ ذلك لها إلا بأن تأتيها قوَّةٌ حسَّاسَةٌ تنزل عليها من "الدِّمَاغ" بإذن الرَّبِّ تعالى.

فصل

وأمَّا الأعضاء التي ليست برئيسة ولا مرؤوسة؛ فهي التي اختصَّت بقُوىً غريزيَّة فيها من أصل الخِلْقَة في أوَّل التكوين، ليتمَّ بها قَوَامُ أمرها، وتدبيرُها في اجتلاب المنافع ودفع المضارِّ، كـ: "العظام"، و"الغَضَاريف".

وسائر الأعضاء المتشابهة الأجزاء - مثل: "الرِّبَاطات"، و"الأعصاب"، و"الأوتارِ"، و"الشرايين"، و"الأَوْرِدَةِ"، و"الأغْشِيَةِ"، و"اللَّحْمِ"، و"العظَامِ" - كالأساس والاسطوانات لبناء هيكل٤ البدن.

فإن قيل: هل في "العظام" قوَّةُ الإحساس وحياته أم لا؟

  1. (١) من قوله: "بقوىً لها طبيعية. . ." إلى هنا؛ ساقط من (ز).
  2. (٢) في (ح) و(م): يقبض!
  3. (٣) تكررت مرتين في (ك).
  4. (٤) من (ح) و(م)، وفي باقي النسخ: كل.
593

قيل: هذا موضعٌ اختلف فيه أرباب الشريعة فيما بينهم، وأرباب الطبيعة فيما بينهم:

فقالت طائفة: لا حياة في "العظام" وإن كان فيها قوَّة النُّمُو والاغتذاء.

قالوا: لأنَّ الحياةَ إنَّما هي بالرُّوح الحيوانيِّ، ولَا حَظَّ "للعظام" فيه.

قالوا: ولأنَّ مَرْكَبَ الحياةِ١ إنَّما هو "الدَّمُ" المُنْبَثُّ في "العُرُوق" و"الأعصاب" و"اللَّحم". ولهذا لم يكن "للشَّعْر" ولا "للظُّفُر" نصيبٌ من ذلك، ولهذا لم يأْلَم الحيوانُ بأَخْذِهِ.

قالوا: فحياةُ "العظام" و"الشَّعْر" حياةُ نُمُوٍّ واغتذاءٍ، وحياةُ أعضاء البدن حياةُ نُمُوٍّ وإحساسٍ.

قالوا: ولهذا قلنا إنَّ "العظام" لا تَنْجَس بالموت؛ لأنَّها لم يكن فيها حياةٌ تزول بالموت.

قالوا: وزوالُ النُّمُوِّ لا يُوجب نجاسة ما فَارَقَهُ، بدليل يُبْسِ الزَّرعْ والشَّجر.

قال آخرون: الدليلُ على أنَّ "العظام" تَحُلُّ فيها الحياةُ قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ ٧٨ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس: ٧٨، ٧٩].

  1. (١) أقحمت "فيه" بعدها في (ز) و(ك) و(ط).
594

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي