التبيان

والحِسُّ يدلُّ على ذلك أيضًا، فإنَّ "العَظْم" يأْلَم، ويَضْرِبُ١، ويَسْكُن، وذلك نفس إحساسه.

قالوا: ولا يمكن إنكارُ كون "العظام" فيها قوَّةٌ حسَّاسَةٌ تحسُّ بالبارد والحَارِّ.

قال الآخرون: الإحساس والألم ليس "للعظم" في نفسه، وإنَّما هو لما جاوره من "اللَّحْم".

قال المنازعون لهم: هذا مكابَرَةٌ ظاهرةٌ؛ فإنَّ "العظْمَ" نفسَه يَأْلَمُ، ولا سيَّما إذا انْصَدَع.

ثُمَّ إنَّ "الأسنانَ" و"الأضراسَ" تحسُّ بالألم والحارِّ والبارد بأنفسها، لا بِمُجَاوِرِها من "اللَّحم".

ولهذا توسَّطت طائفةٌ ثالثةٌ، وقالت: عظامُ "الأسنان" خاصةً لها الإحساس، بخلاف سائر "العظام".

وهؤلاء قد٢ سلَّمُوا المسألة من مكانٍ قريب، فإنَّ الذي دلَّ على إحساس "الأسنان" وحياتها هو الدَّالُّ على حياة سائر "العظام"، والشبهة التي ذكروها لو صحَّت لمَنَعَت من إحساس "الأسنان".

وأمَّا حديث الطهارة والنَّجَاسة فذاكَ لأمرٍ آخر وراءَ الحياة.

  1. (١) ضَرَبَ: تحرَّكَ وارتعَدَ بسبب بردٍ أو خوفٍ أو نحو ذلك، وبمعناه: تضرَّب واضطرَب.
    انظر: "القاموس" (١٣٨).
  2. (٢) في جميع النسخ: فقد، وما أثبته أصوب.
595

ومَنْ نَجَّسَها بالموت سَوَّى بينها وبين "اللَّحم"، ومن لم يُنَجِّسْها - وهو الراجح في الدليل - فذاك لعدم عِلَّة التنجيس فيها، فإنَّ الموت ليس بِعلَّةِ النَّجَاسة، وإنَّما هو دليلُ العلَّة وسبَبُها.

والعِلَّةُ هي احتقانُ الفَضَلات في "اللَّحْمِ"، و"العَظْمُ" بريءٌ من ذلك.

والدليل على هذا؛ أنَّ الشارعَ لم يحكم بنجاسة الحيوان التَّامِّ الذي١ لا نَفْسَ له سائلةٌ؛ لعدم احتقان الفَضَلات فيه، فَلأَنْ لا يُحكم بنجاسة "العَظْم" أَولى وأحرى. فإنَّ الرُّطُوباتِ التي في "الذُّبَاب" و"العقرب" و"الخنفساء" أكثرُ من الرُّطُوباتِ التي في "العظام"، فهي أَولى بعدم التنجيس من تلك الحيوانات. والله أعلم٢.

فصل

والذي أحصاه المُشَرِّحُون من "العظام" في البدن: مائتان وثمانيةٌ وأربعون عظمًا، سِوَى الصِّغَار السُّمْسُمَانيَّات٣ التي أُحْكِمت٤ بها مفاصل: "الأصابع"، والتي في "الحَنْجَرَة".

  1. (١) ساقط من (ك).
  2. (٢) من قوله: "التي في "العظام" فهي أولى. . ." إلى هنا؛ ساقط من (ح) و(م).
  3. (٣) "السُّمْسُمَانيات": جمع: السُّمْسُمَانيّ، وهو الخفيف اللطيف السريع من كلِّ شيءٍ.
    والعظام الصغار التي بين كلِّ مَفْصِلَين من مفاصل الأصابع تسمى: "السُّلَامَيَات"، واحدتها: "سُلَامَى".
    انظر: "القاموس" (١٤٥١)، و"الإفصاح" (٥٣).
  4. (٤) في (ح) و(م): احكم، وفي باقي النسخ: احتكم! والصواب ما أثبته.
596

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي