ومَنْ نَجَّسَها بالموت سَوَّى بينها وبين "اللَّحم"، ومن لم يُنَجِّسْها - وهو الراجح في الدليل - فذاك لعدم عِلَّة التنجيس فيها، فإنَّ الموت ليس بِعلَّةِ النَّجَاسة، وإنَّما هو دليلُ العلَّة وسبَبُها.
والعِلَّةُ هي احتقانُ الفَضَلات في "اللَّحْمِ"، و"العَظْمُ" بريءٌ من ذلك.
والدليل على هذا؛ أنَّ الشارعَ لم يحكم بنجاسة الحيوان التَّامِّ الذي١ لا نَفْسَ له سائلةٌ؛ لعدم احتقان الفَضَلات فيه، فَلأَنْ لا يُحكم بنجاسة "العَظْم" أَولى وأحرى. فإنَّ الرُّطُوباتِ التي في "الذُّبَاب" و"العقرب" و"الخنفساء" أكثرُ من الرُّطُوباتِ التي في "العظام"، فهي أَولى بعدم التنجيس من تلك الحيوانات. والله أعلم٢.
فصل
والذي أحصاه المُشَرِّحُون من "العظام" في البدن: مائتان وثمانيةٌ وأربعون عظمًا، سِوَى الصِّغَار السُّمْسُمَانيَّات٣ التي أُحْكِمت٤ بها مفاصل: "الأصابع"، والتي في "الحَنْجَرَة".
(١) ساقط من (ك).
(٢) من قوله: "التي في "العظام" فهي أولى. . ." إلى هنا؛ ساقط من (ح) و(م).
(٣) "السُّمْسُمَانيات": جمع: السُّمْسُمَانيّ، وهو الخفيف اللطيف السريع من كلِّ شيءٍ. والعظام الصغار التي بين كلِّ مَفْصِلَين من مفاصل الأصابع تسمى: "السُّلَامَيَات"، واحدتها: "سُلَامَى". انظر: "القاموس" (١٤٥١)، و"الإفصاح" (٥٣).
(٤) في (ح) و(م): احكم، وفي باقي النسخ: احتكم! والصواب ما أثبته.
وقد أخبر النبيُّ ﷺ أنَّ الإنسانَ خُلق من ثلاثمائةٍ وستين مَفْصِلًا١:
فإن كانت "المفاصل" هي "العظام": فقد اعترف "جالينوس" وغيره بأنَّ في البدن عظامًا صغارًا لم تدخل تحت ضبطهم وإحصائهم.
وإن كان المراد بـ "المفاصل": المواضع التي تنفصل بها الأعضاء بعضها من بعضٍ - كما قال الجوهريُّ٢ وغيره: "المَفْصِل: واحد مفاصل الأعضاء" - فتلك أعمُّ من "العظام"، فتأمَّلْهُ.
وإنَّ "السُّلَامَيَاتِ" المذكورةَ في الحديث الذي رواه مسلم في "صحيحه"٣ من حديث أبي ذَرٍّ: "يُصْبِحُ على كُلِّ سُلامَى من أحدكم صدقةٌ، فكلُّ تسبيحةٍ صدقةٌ، وكلُّ تحميدةٍ صدقةٌ، وكلُّ تَهْلِيلةٍ صدقةٌ، وكلُّ تكبيرةٍ صدقةٌ" الحديث، فـ "السُّلَامَى": العُضْو٤،
(١) أخرج مسلم في "صحيحه" رقم (١٠٠٧) من حديث عائشة ﵂ أنَّها قالت: قال رسول الله ﷺ: "خُلق كلُّ إنسانٍ من بني آدمَ على ستين وثلاثمائة مَفْصِل، فمن كبَّر اللهَ، وحَمِدَ الله، وهلَّلَ اللهَ، وسبَّح اللهَ، واستغفر الله، وعَزَلَ حجرًا عن طريق الناس، أو شَوكةً، أو عظمًا عن طريق الناس، وأمَرَ بمعروفٍ، أو نهى عن منكر؛ عدَدَ تلك الستين والثلاثمائة السُّلَامَى؛ فإنه يمشي يومئذٍ وقد زَحْزَحَ نفسَهُ عن النار".
(٢) في "الصحاح" (٥/ ١٧٩٠).
(٣) رقم (٧٢٠).
(٤) هذا خبر "إنَّ" في قوله: وإن السُّلَاميَات …، ومقصوده أنَّ السُّلاميَات هي الأعضاء. قال القاضي عياض في "إكمال المعلم" (٣/ ٦١): "أصل "السُّلَامَى" - بضم =