التبيان

فصل

فاستقبل الآن النظر في نفسك من رأسٍ، وانظر إلى المبدأ الأوَّل وهو "النُّطْفَة"؛ التي هي قطرةٌ مهينةٌ ضعيفةٌ، لو تُرِكَت ساعة لبَطَلَت وفَسَدَت، كيف أخرجها رَبُّ الأرباب من بين الصُّلْب والترائب؟! وكيف أوقع المحبة والإلْفَ بين الذَّكَر والأنثى، ثُمَّ قادهما بسلسلة المحبة والشهوة إلى الاجتماع، ثُمَّ استخرج "النُّطْفَة" من الذَّكَر بحركة الوِقَاع من أعماق "العُرُوق"، وجمَعَها في "الرَّحِم" في قرارٍ مكينٍ، لا تناله يدٌ، ولا تطلع عليه شمسٌ، ولا يصيبه هواءٌ، ثُمَّ صرَّف تلك "النُّطْفَة" طَوْرًا بعد طَوْرٍ، وطَبَقًا بعد طَبَقٍ، وغَذَّاها بدم١ الحيض.

وكيف جعل - سبحانه - "النُّطْفَةَ" - وهي بيضاء مشرقة - عَلَقَةً حمراء، ثُمَّ جعلها مُضْغَةً، ثُمَّ قسَّمَ أجزاء "المُضْغَة" إلى: "العظامِ"، و"الأعصابِ"، و"العُرُوقِ"، و"الأوتارِ"، و"اللَّحْمِ" في داخل "الرَّحِم" في الظلمات الثلاث.

ولو كُشِفَ لك الغطاء لرأيت التخطيطَ والتصويرَ يظهر في "النُّطْفة" شيئًا بعد شيء، من غير أن ترى المُصَوِّرَ، ولا آلته، ولا قَلَمَهُ. فهل رأيتَ مُصَوِّرًا لا تمسُّ آلتُه الصورَةَ٢ ولا تُلَاقِيها؟

ثُمَّ تأمَّلْ هذه القُبَّةَ العظيمةَ التي قد رُكِّبَت على "المَنْكِبين"، وما أُودِعَ فيها من العجائب، وما رُكِّبَ فيها من الخزائن، وما أُودِعَ في تلك الخزائن من المنافع، وما اشتملت عليه هذه القُبَّة من "العظام" المختلفة

  1. (١) في جميع النسخ: بماء! ثم صُححت في هامش (ك).
  2. (٢) ساقط من (ح) و(م).
608

الأشكال والصفات والمنافع؛ ومن الرُّطُوبات، و"الأعصاب"، والطرق، والمجاري، و"الدِّماغ"، والمنافذ، والقُوى الباطنة من الذِّكْرِ، والفِكْرِ، والتخييل، وقوَّةِ الحفظ.

ففيه القوَّة المفكِّرة، والمذكِّرة١، والمخيِّلة، والمحافظة٢. وهذه القُوى مُودَعَةٌ في خزائن هذه القُبَّة٣، مسخَرَةٌ لمصالحه، يستعملها ويستخدمها كيف أراد.

فتأمَّلْ كيف دَوَّرَ - سبحانه - "الرأسَ"، وشقَّ سمعَهُ، وبصَرَهُ، وأنفَهُ، وفمَه؟ وكيف ركَّب كُرِيَّهُ٤ في بطن الأمِّ من ثلاثةٍ وعشرين عظمًا، وخلق تلك "العظام" على كيفيَّاتٍ مختلفةٍ.

وتأمَّلْ كيف انقلبت تلك "النُّطْفَة" اللَّيِّنَة الضعيفة إلى "العظام" الصُّلْبة الشديدة؟

ثُمَّ تأمَّلْ كيف قدَّرَ - سبحانه - كلَّ واحدٍ من تلك "العظام" بشكلٍ مخصوصٍ، لو وُضِع بخلافِ ذلك٥ لبطلت المنفعة، وفاتَ الغَرَض. ثُمَّ ركَّبَ بعضَها مع بعضٍ؛ بحيث حصل من مجموعها "كُرَةُ الرأس" على هذه الخِلْقَة المخصوصة.

ولمَّا كان "الرأسُ" أشرفَ الأعضاء الإنسانية، وأجمَعَها

  1. (١) في (ح) و(م): والذاكرة.
  2. (٢) في (ح) و(م): والحافظة.
  3. (٣) العبارة في (ح) و(م) هكذا: في خزائنها.
  4. (٤) كذا ضبطت في (ح)، والمراد: كرة الرأس.
  5. (٥) "لو وُضع بخلاف ذلك" ساقط من (ح) و(م).
609

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي