التبيان

الأشكال والصفات والمنافع؛ ومن الرُّطُوبات، و"الأعصاب"، والطرق، والمجاري، و"الدِّماغ"، والمنافذ، والقُوى الباطنة من الذِّكْرِ، والفِكْرِ، والتخييل، وقوَّةِ الحفظ.

ففيه القوَّة المفكِّرة، والمذكِّرة١، والمخيِّلة، والمحافظة٢. وهذه القُوى مُودَعَةٌ في خزائن هذه القُبَّة٣، مسخَرَةٌ لمصالحه، يستعملها ويستخدمها كيف أراد.

فتأمَّلْ كيف دَوَّرَ - سبحانه - "الرأسَ"، وشقَّ سمعَهُ، وبصَرَهُ، وأنفَهُ، وفمَه؟ وكيف ركَّب كُرِيَّهُ٤ في بطن الأمِّ من ثلاثةٍ وعشرين عظمًا، وخلق تلك "العظام" على كيفيَّاتٍ مختلفةٍ.

وتأمَّلْ كيف انقلبت تلك "النُّطْفَة" اللَّيِّنَة الضعيفة إلى "العظام" الصُّلْبة الشديدة؟

ثُمَّ تأمَّلْ كيف قدَّرَ - سبحانه - كلَّ واحدٍ من تلك "العظام" بشكلٍ مخصوصٍ، لو وُضِع بخلافِ ذلك٥ لبطلت المنفعة، وفاتَ الغَرَض. ثُمَّ ركَّبَ بعضَها مع بعضٍ؛ بحيث حصل من مجموعها "كُرَةُ الرأس" على هذه الخِلْقَة المخصوصة.

ولمَّا كان "الرأسُ" أشرفَ الأعضاء الإنسانية، وأجمَعَها

  1. (١) في (ح) و(م): والذاكرة.
  2. (٢) في (ح) و(م): والحافظة.
  3. (٣) العبارة في (ح) و(م) هكذا: في خزائنها.
  4. (٤) كذا ضبطت في (ح)، والمراد: كرة الرأس.
  5. (٥) "لو وُضع بخلاف ذلك" ساقط من (ح) و(م).
609

للقُوى والمنافع والآلات والخزائن = اقتضت العناية الإلهيَّة بأن صِينَ بأنواعٍ من الصيانات.

وذلك أنَّ "الدِّمَاغ" يحيط به غشاءٌ رقيقٌ، وفوق ذلك الغشاء غشاءٌ آخر، يقال له: "السِّمْحَاق"١. ثُمَّ فوق ذلك الغشاء طبقةٌ لَحْمِيَّةٌ، وفوق تلك الطبقة اللَّحْمية الجلدُ، ثُمَّ فوق الجلد "الشَّعْرُ".

فخلق - سبحانه - فوق دِمَاغِك سَبْعَ طبقاتٍ، كما خلق فوق الأرض سبعَ سمواتٍ طباقًا. والمقصود من تخليقها الاحتفال٢ في صَونِ "الدِّمَاغ" من الآفات.

و"الدِّمَاغ" من "الرأس" بمنزلة "القلب" من البدن.

وهو - سبحانه - قَسَّمَهُ في طوله ثلاثةَ أقسام، وجعل:

١ - القسمَ المقدَّمَ مَحَلَّ الحفظ والتخيُّل.

٢ - والبطنَ الأوسطَ مَحَلَّ التأمُّلِ والتفكُّرِ.

٣ - والبطنَ الأخيرَ مَحَلَّ التذكُّرِ والاسترجاع لمَا كان قد نَسِيَهُ.

  1. (١) سبق للمؤلف - (ص/ ٦٠٣) - أن "السِّمْحَاق" غشاءٌ يحيط بالجُمْجُمَة من ظاهرٍ، وهذا هو المعروف في كتب اللغة.
    وذكر - أيضًا في الموضع نفسه - أنَّ الجُمْجُمَة يستبطنها غشاءان، هما فوق "الدِّماغ"، ويقال لهما: "أمُّ الدِّماغ". فيكون قد فات المؤلف هنا ذكر "الجمجمةِ"، والغشاءِ الذي يحيط بها وهو: "السِّمْحَاق"، ليكتمل تعداد الطبقات سبعًا.
  2. (٢) في جميع النسخ: الإحفاظ، ولعله تصحيف ما أثبته.
    و"الاحتفال": المبالغة في الأمر، والاهتمام به. "المعجم الوسيط" (١/ ١٨٦).
610

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي