التبيان

للقُوى والمنافع والآلات والخزائن = اقتضت العناية الإلهيَّة بأن صِينَ بأنواعٍ من الصيانات.

وذلك أنَّ "الدِّمَاغ" يحيط به غشاءٌ رقيقٌ، وفوق ذلك الغشاء غشاءٌ آخر، يقال له: "السِّمْحَاق"١. ثُمَّ فوق ذلك الغشاء طبقةٌ لَحْمِيَّةٌ، وفوق تلك الطبقة اللَّحْمية الجلدُ، ثُمَّ فوق الجلد "الشَّعْرُ".

فخلق - سبحانه - فوق دِمَاغِك سَبْعَ طبقاتٍ، كما خلق فوق الأرض سبعَ سمواتٍ طباقًا. والمقصود من تخليقها الاحتفال٢ في صَونِ "الدِّمَاغ" من الآفات.

و"الدِّمَاغ" من "الرأس" بمنزلة "القلب" من البدن.

وهو - سبحانه - قَسَّمَهُ في طوله ثلاثةَ أقسام، وجعل:

١ - القسمَ المقدَّمَ مَحَلَّ الحفظ والتخيُّل.

٢ - والبطنَ الأوسطَ مَحَلَّ التأمُّلِ والتفكُّرِ.

٣ - والبطنَ الأخيرَ مَحَلَّ التذكُّرِ والاسترجاع لمَا كان قد نَسِيَهُ.

  1. (١) سبق للمؤلف - (ص/ ٦٠٣) - أن "السِّمْحَاق" غشاءٌ يحيط بالجُمْجُمَة من ظاهرٍ، وهذا هو المعروف في كتب اللغة.
    وذكر - أيضًا في الموضع نفسه - أنَّ الجُمْجُمَة يستبطنها غشاءان، هما فوق "الدِّماغ"، ويقال لهما: "أمُّ الدِّماغ". فيكون قد فات المؤلف هنا ذكر "الجمجمةِ"، والغشاءِ الذي يحيط بها وهو: "السِّمْحَاق"، ليكتمل تعداد الطبقات سبعًا.
  2. (٢) في جميع النسخ: الإحفاظ، ولعله تصحيف ما أثبته.
    و"الاحتفال": المبالغة في الأمر، والاهتمام به. "المعجم الوسيط" (١/ ١٨٦).
610

وكلُّ واحدٍ من هذه الأمور الثلاثة أمرٌ مهمٌّ للإنسان لا بدَّ له منه، فإنَّه١ محتاجٌ إلى التفهُّم والتفهيم، ولو لم يكن حافظًا المعاني المتصوَّرَات٢ وصُوَرَها بعد غيبتها؛ لكَانَ إذا سمع كلمةً وفهمَها شَذَّت عنه عند مجيء الأخرى، فلم يحصل المقصود من التفهُّم٣ والإفهام، فجَعَلَ له رَبُّهُ وفاطره - سبحانه - خزانةً تحفظُ له صُوَرَ المعلومات، حتَّى تجتمع له، وتسمَّى القوَّة التي فيها: "القوَّة الحافظة".

ولا تتمُّ مصلحةُ الإنسان إلا بها، فإنَّه إذا رأى شيئًا، ثُمَّ غاب عنه، ثُمَّ رآه مرةً أخرى عَرَفَ أنَّ هذا الذي رآه الآن هو الذي رآه قبل ذلك؛ لأنَّه في المَرَّة الأُولى ثبتت صورته في الحافظة٤، ثُمَّ تَوَارَى عنه بالحجاب، فلمَّا رآه مرةً ثانيةً صارت هذه الصورة المحسوسة ثانيًا مطابقة للصورة المعنويَّة٥ التي في الذِّهْن، فحصَل٦ الجَزْمُ بأنَّ هذا ذاك، ولولا "القوَّة الحافظة" لما حصل ذلك، ولما عَرَفَ أحدٌ أحدًا بعد غيبته عنه.

ولذلك إذا طالَت الغيبةُ جدًّا، وانْمَحَت تلك الصورة الأُولى من الذِّهْن بالكُلِّيَّة؛ لم يحصل له العلم بأنَّ هذا هو الذي رآه أوَّلًا، إلا بعد تفكُّرٍ وتأمُّلٍ.

وقد قال قومٌ: إنَّ مَحَلَّ هذه الصُّوَر: "النَّفْسُ".

  1. (١) في النسخ: ولكل واحدٍ من …، وأنه .... ولعل ما أثبته هو الصواب.
  2. (٢) في (ح) و(م): لمعاني التصورات.
  3. (٣) في (ك) و(ح) و(م) و(ط): الفهم.
  4. (٤) في جميع النسخ: الحفظ، وما أثبته أنسب.
  5. (٥) في (ك): المعفوية!
  6. (٦) "فحصل" ملحق بهامش (ك).
611

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي