التبيان

وكلُّ واحدٍ من هذه الأمور الثلاثة أمرٌ مهمٌّ للإنسان لا بدَّ له منه، فإنَّه١ محتاجٌ إلى التفهُّم والتفهيم، ولو لم يكن حافظًا المعاني المتصوَّرَات٢ وصُوَرَها بعد غيبتها؛ لكَانَ إذا سمع كلمةً وفهمَها شَذَّت عنه عند مجيء الأخرى، فلم يحصل المقصود من التفهُّم٣ والإفهام، فجَعَلَ له رَبُّهُ وفاطره - سبحانه - خزانةً تحفظُ له صُوَرَ المعلومات، حتَّى تجتمع له، وتسمَّى القوَّة التي فيها: "القوَّة الحافظة".

ولا تتمُّ مصلحةُ الإنسان إلا بها، فإنَّه إذا رأى شيئًا، ثُمَّ غاب عنه، ثُمَّ رآه مرةً أخرى عَرَفَ أنَّ هذا الذي رآه الآن هو الذي رآه قبل ذلك؛ لأنَّه في المَرَّة الأُولى ثبتت صورته في الحافظة٤، ثُمَّ تَوَارَى عنه بالحجاب، فلمَّا رآه مرةً ثانيةً صارت هذه الصورة المحسوسة ثانيًا مطابقة للصورة المعنويَّة٥ التي في الذِّهْن، فحصَل٦ الجَزْمُ بأنَّ هذا ذاك، ولولا "القوَّة الحافظة" لما حصل ذلك، ولما عَرَفَ أحدٌ أحدًا بعد غيبته عنه.

ولذلك إذا طالَت الغيبةُ جدًّا، وانْمَحَت تلك الصورة الأُولى من الذِّهْن بالكُلِّيَّة؛ لم يحصل له العلم بأنَّ هذا هو الذي رآه أوَّلًا، إلا بعد تفكُّرٍ وتأمُّلٍ.

وقد قال قومٌ: إنَّ مَحَلَّ هذه الصُّوَر: "النَّفْسُ".

  1. (١) في النسخ: ولكل واحدٍ من …، وأنه .... ولعل ما أثبته هو الصواب.
  2. (٢) في (ح) و(م): لمعاني التصورات.
  3. (٣) في (ك) و(ح) و(م) و(ط): الفهم.
  4. (٤) في جميع النسخ: الحفظ، وما أثبته أنسب.
  5. (٥) في (ك): المعفوية!
  6. (٦) "فحصل" ملحق بهامش (ك).
611

وقال قومٌ: مَحَلُّها "القلب".

وقال قومٌ: مَحَلُّها "العقل".

ولكلِّ فريقٍ منهم حُجَجٌ وأدلَّةٌ، وكلٌّ منهم أدرك شيئًا وغابت عنه أشياء. إذ الإدراك المذكور مفتقِرٌ إلى مجموع ذلك، لا يتمُّ إلا به.

والتحقيقُ: أنَّ منشأَ ذلك ومبدأَهُ من "القلب"، ونهايَتَهُ ومستقَرَّهُ في "الرأس".

وهي المسألة التي اختلف فيها الفقهاء: هل العقل في "القلب" أو في "الدِّماغ"؟ على قولين؛ حُكِيا روايتين عن الإمام أحمد١.

والتحقيق: أنَّ أصلَهُ ومادَّتَهُ من "القلب"، وينتهي إلى "الدِّمَاغ". قال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ [الحج: ٤٦]، فجعل العقل٢ بـ "القلب"، كما جعل السَّمْعَ بـ "الأُذُن"، والبَصَرَ بـ "العين".

وقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ ٣٧﴾ [ق: ٣٧]، قال غيرُ واحدٍ من السلف: "لمن كان له عقلٌ".

واحتجَّ الآخَرون: بأنَّ الرَّجُلَ يُضْرَبُ في رأسه فيزول عقله، ولولا أنَّ العقل في "الرأس" لما زال. فإنَّ السمعَ والبصرَ لا يزولان بضرب اليدِ، ولا الرِّجْلِ، ولا غيرِهما من الأعضاء لعدم تعلقهما بها.

  1. (١) انظر: "العدة" (١/ ٨٩)، و"المسوَّدة" (٢/ ٩٨٢)، و"التحبير شرح التحرير" (١/ ٢٦٢)، و"شرح الكوكب المنير" (١/ ٨٣).
  2. (٢) "العقل" ملحق بهامش (ك).
612

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي