التبيان

النُّور١ الباصر بهذا الجزء الأسود؟

وجعل - سبحانه - "الحَدَقَةَ" مَصُونةً بـ "الأجفان"؛ لتسترها، وتحفظها، وتَصْقُلَها، وتدفع الأقذاءَ عنها.

وجعل شعر "الأجفان" أسود؛ ليكونَ سواده سببًا لاجتماع النُّورِ الذي به الإبصار، ويكونَ مانعًا من تفرُّقِهِ، ويكونَ أبلغَ في الحُسْنِ والجمال.

وخلق - سبحانه - لتحريك "الحَدَقَةِ" أربعًا وعشرين عَضَلةً، لو نقصت واحدةٌ منهُنَّ لاختلَّ أمر "العين".

ولمَّا كانت "العينُ" شبيهةً بالمِرآة التي إنَّما يُنتفع بها إذا كانت في غاية الصَّقَالَةِ والصَّفَاءِ؛ جعل - سبحانه - "الأجفان" متحرِّكَةً إلى الانطباق٢ والانفتاح٣ أبدًا، باختيار الإنسان وغير اختياره، لتبقى "الحَدَقَةُ" نقيَّةً صافيةً عن جميع الكُدُورات.

وجعل "العَينيَن" بمنزلة المِرآتين الصَّقيلتين اللَّتين تنطبع فيهما صور الأشياء الخارجيَّة، فيتأثر "القلب" بذلك، ثُمَّ يظهر ما فيه عليهما فتتأثران به. فهما مرآةٌ لما في "القلب" يظهر فيهما، ومرآةٌ لما في الخارج تنطبع صورته فيهما، فـ "العينان" على "القلب" كالزجاجتين الموضوعتين.

ولذلك يُستَدلُّ باحوال "العين" على أحوال "القلب" من رضاه،

  1. (١) ساقط من (ح) و(م).
  2. (٢) في (ح) و(م): الاطباق.
  3. (٣) ساقط من (ح) و(م).
617

وغضبِهِ، وحُبِّهِ، وبُغْضِهِ، ونُفْرَتِه، وقُرْبِه١.

ومن أعجب الأشياء أنَّ "ماء العين" من ألطف أعضاء البدن، وهي لا تتأثر بالحرِّ والبرد كتأثرِ غيرِها من الأعضاء الكثيفة، ولو كان الأمر عائدًا إلى مجرد الطبيعة لكان ينبغي أن يكون الأمر بالعكس؛ لأنَّ الأَلْطَفَ أسرعُ تأثرًا٢، فعُلِم أنَّ حصول هذه المصالح ليس هو بمجرَّدِ الطَّبْعِ.

فصل

ثُمَّ اعدِلْ إلى "الأُذُنَين"؛ وتأمَّلْ شَقَّهُما، وخَلْقَهما، وإيداعَ الرُّطُوبة فيهما، ليكون ذلك عونًا على إدراك السمع، وجَعَلَ ماءَهُما مُرًّا٣ لتمتنع الهَوَامُّ عن الدخول في "الأذن"٤.

وحَوَّطَهما٥ - سبحانه - بصَدَفَتين يجمعان الصوت، ويؤدِّيَانه إلى "الصِّمَاخ".

وجعل في الصَّدَفتين تعويجات؛ لِتَطُول المسافة فتنكسر حِدَّةُ الصوت؛ ولا تَلِجَ الهَوَامُّ دَفْعَةً، بل تكثر حركاتها فَتَنتَبِهُ لها، فتُخرجَها.

وجعلَ "العَينيَن" مُقَدَّمَتَين، و"الأُذُنَين" مُؤَخَّرَتَين؛ لأنَّ "العَينَين" بمنزلة الطليعة والكاشِف والرائد الذي يتقدَّمُ القومَ ليكشف لهم، وبمنزلة

  1. (١) ساقط من (ح) و(م).
  2. (٢) في جميع النسخ: تأثيرًا، ثم صححت في هامش (م)، وهو الصواب.
  3. (٣) العبارة في (ح) و(م) هكذا: وجعلها مُرَّةً.
  4. (٤) في (ك): الأذنين.
  5. (٥) من (ح) و(م)، وفي باقي النسخ: وحفظهما.
618

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي