التبيان

- سبحانه - في وَسْط "الوجه" بأحسن شَكْلٍ، وفتح فيه١ بابين، وأودع فيهما حاسَّةَ الشَّمِّ، وجعله آلةً لاستنشاق الهواء، وإدراكِ الروائح على اختلافها، فيستنشق بهما الهواءَ الباردَ الطَّيِّبَ. فيستغني بـ "المِنْخَرَين" عن فتح "الفَم" أبدًا، ولولاهما لاحتاج إلى فتح "فَمِهِ" دائمًا.

وجعل - سبحانه - تجويفه واسعًا لينحصر فيه الهواء، وينكسر بَرْدُهُ قبل الوصول إلى "الدِّماغ"، فإنَّ الهواءَ المُسْتَنْشَقَ ينقسم قسمين: شطرًا منه - وهو أكثره - ينفذ إلى "الرِّئة"، وشطرًا ينفذ إلى "الدِّمَاغ".

ولذلك يَضُرُّ المَزْكُومَ استنشاقُ الهواء البارد.

وجعل في "الأنف" - أيضًا - إعانةً على تقطيع الحروف.

وجعل بين "المِنْخَرَين" حاجزًا، وذلك أبلغ٢ في حصول المنفعة المقصودة، حتَّى كأنَّهما "أَنْفَان"٣؛ بمنزلة "العَينيَن" و"الأُذُنين" و"اليدين" و"الرِّجْلين".

وقد يصيب أحد "المِنْخَرَين" آفةٌ، فيبقى الآخر سالمًا.

وجَعَلَ تجويفَهُ نازلًا إلى أسفل؛ ليكون مَصَبًّا للفضلات النازلة من "الدِّمَاغ". وسَتَرَهُ بساتِرٍ٤ أَبَدِيٍّ٥، لئلَّا تبدو تلك الفضلات في عين الرائي.

  1. (١) ساقط من (ك).
  2. (٢) ساقط من (ك).
  3. (٣) في (ز): اثنان.
  4. (٤) "بساتر" ملحق بهامش (ك).
  5. (٥) ساقط من (ز) و(ط)، وفي (ك): أبدًا، وما أثبته من (ح) و(م).
620

وتأمَّلْ منفعة النَّفَس الذي لو قُطع عن الإنسان لَهَلَكَ، وهو أربعةٌ وعشرون ألف نَفَسٍ في اليوم والليلة، قِسطُ كلِّ ساعةٍ ألفُ نَفَسٍ.

وتأمَّلْ كيف يدخل الهواء في "المِنْخَرَين" فينكسر بَرْدُهُ هناك، ثُمَّ يصل إلى "الحُلْقُوم"، فيعتدل مِزَاجُهُ هناك، ثُمَّ يصل إلى "الرِّئة"، فيتصَفَّى فيها من الغِلَظِ والكُدْرَةِ، ثُمَّ يصل إلى "القلب" أصفَى ما كان وأعدَلَ، فيُرَوِّحُ عنه، ثُمَّ ينفذ منه إلى "العُرُوق" المتحرِّكة، ويتقدَّم إلى أقاصي أطراف البدن، ثُمَّ إذا سَخُنَ جدًّا وخرج عن حَدِّ الانتفاع؛ عادَ عن تلك الأقاصي إلى البدن، ثُمَّ إلى "الرِّئة"١، ثُمَّ إلى "الحُلْقُوم"، ثُمَّ إلى "المِنْخَرَين"، ثُمَّ يخرج، ويعودُ مثلُه … هكذا أبدًا، فمجموع ذلك هو النَّفَسُ الواحد.

وقد أحصى الرَّبُّ ﷿ عدَدَ هذه الأَنْفَاسِ، وجعل مقابل كلِّ نَفَسٍ منها ما شاء الله من الأحقاب في الجحيم، أو في٢ النَّعيم. فما أَسْفَهَ من أضاعَ ما هذا قيمتُه في غير شيء.

فصل

وهو - سبحانه - جعل "القلب" أميرَ البدن، ومعدِنًا للحرارة الغريزيَّة، فإذا اسْتُنشِقَ الهواءُ الباردُ وصَلَ إلى "القلب" واعتَدَلَتْ حرارته، فيبقى هناك مدَّةً، [فإذا]٣ سخُنَ واحتدَّ٤، واحتاجَ إلى

  1. (١) "ثم إلى الرئة" ملحق بهامش (ك).
  2. (٢) من (ح) و(م)، وسقط من باقي النسخ.
  3. (٣) زيادة مهمة لاتساق الكلام.
  4. (٤) في (ح) و(م) وهامش (ك): واحترق.
621

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي