إخراجه ودَفْعِهِ معه، لم١ يُضَيِّعْ أحكمُ الحاكمين ذلك النَّفَس ويخرجه بغير فائدة، بل جعل إخراجه سببًا لحدوث الصوت.
ثُمَّ جعل - سبحانه -٢ "الحَنْجَرَةَ" و"اللِّسَانَ" و"الحَنَكَ"٣ آلاتٍ وأسبابًا، مختلفة الأشكال٤، فباختلافها يكون الصوت٥، فيحدث الحَرْف، ثُمَّ أَلْهَمَ الإنسانَ أن رَكَّبَ ذلك الحَرْفَ إلى مثله ونظيره، فتحدث الكلمة، ثُمَّ أَلْهَمَهُ تركيب تلك الكلمة إلى مثلها، فيحدث الكلام.
فتأمَّلْ هذه الحِكْمَةَ الباهرة في إيصال النَّفَس إلى "القلب" لحفظ حياته، ثُمَّ عند الحاجة إلى إخراجه والاستغناء عنه جعله سببًا لهذه المنفعة العظيمة. فتبارك الله أحسن الخالقين.
وخلق - سبحانه - هذه المقاطع والحَنَاجر مختلفةَ الأشكال، والضِّيق، والسَّعَة، والخُشُونة، والمَلَاسَة = لتختلف الأصوات باختلافها، فكما لا تتشابه صورتان من كلِّ وجهٍ، فلا يتشابه صوتان٦، بل كما يحصل الامتياز بين الأشخاص بالقوَّةِ البَاصِرَةِ، فكذلك يحصل بالقوَّةِ السَّامِعَةِ، فيحصل الامتياز للأعمى والبصير.
(١) في جميع النسخ: فلم، وما أثبته أنسب.
(٢) بعده في (ح) و(م) زيادة: في.
(٣) "الحَنَكُ": سَقْفُ أعلى الفم من داخل. "القاموس" (١٢١٠).
(٤) "آلات وأسبابًا، مختلفة الأشكال" ساقط من (ح) و(م).
ثُمَّ انفُذْ من ساحة "الصَّدْر" إلى مشاهدة "القلب"؛ تجد مَلِكًا عظيمًا جالسًا على سرير مملكته، يأمر وينهى، ويولِّي ويعزِل. وقد حَفَّ به الأمراءُ٣ والوزراء والجُند وكلُّهم في خدمته، إن استقامَ استقاموا، وإن زَاغَ زاغُوا، وإن صحَّ صَحُّوا، وإن فسد فسدوا، فعليه المُعَوَّلُ.
وهو مَحَلُّ نظر الرَّبِّ تعالى، ومَحَلُّ معرفته، ومحبَّته، وخشيته، والتوكُّلِ عليه، والإنابةِ إليه، والرِّضَى به وعنه. والعبوديةُ عليه أوَّلًا؛ وعلى رعيَّته وجنده تبعًا.
فأشرفُ ما في الإنسان "قلبُه"، فهو العالِمُ بالله، العامِلُ له، السَّاعي إليه، المُحِبُّ له، فهو مَحَلُّ الإيمان والعرفان.
وهو المخاطَبُ المبعوثُ إليه الرُّسُلُ، المخصوصُ بأشرف العطايا، وهو الإيمان والعقل.
(١) من (ك) و(ح) و(م)، وفي (ز) و(ط): العلماء.
(٢) السَّفِلَة" - بكسر الفاء -: سَقَطُ الناسِ وغَوغاؤهم. وبعض العرب يخفِّف فيقول: "سِفْلَة". "مختار الصحاح" (٣٢٤).
(٣) في (ز) و(ح) و(ط) و(م): بالأمراء، وما أثبته من (ك).