ثُمَّ انفُذْ من ساحة "الصَّدْر" إلى مشاهدة "القلب"؛ تجد مَلِكًا عظيمًا جالسًا على سرير مملكته، يأمر وينهى، ويولِّي ويعزِل. وقد حَفَّ به الأمراءُ٣ والوزراء والجُند وكلُّهم في خدمته، إن استقامَ استقاموا، وإن زَاغَ زاغُوا، وإن صحَّ صَحُّوا، وإن فسد فسدوا، فعليه المُعَوَّلُ.
وهو مَحَلُّ نظر الرَّبِّ تعالى، ومَحَلُّ معرفته، ومحبَّته، وخشيته، والتوكُّلِ عليه، والإنابةِ إليه، والرِّضَى به وعنه. والعبوديةُ عليه أوَّلًا؛ وعلى رعيَّته وجنده تبعًا.
فأشرفُ ما في الإنسان "قلبُه"، فهو العالِمُ بالله، العامِلُ له، السَّاعي إليه، المُحِبُّ له، فهو مَحَلُّ الإيمان والعرفان.
وهو المخاطَبُ المبعوثُ إليه الرُّسُلُ، المخصوصُ بأشرف العطايا، وهو الإيمان والعقل.
(١) من (ك) و(ح) و(م)، وفي (ز) و(ط): العلماء.
(٢) السَّفِلَة" - بكسر الفاء -: سَقَطُ الناسِ وغَوغاؤهم. وبعض العرب يخفِّف فيقول: "سِفْلَة". "مختار الصحاح" (٣٢٤).
(٣) في (ز) و(ح) و(ط) و(م): بالأمراء، وما أثبته من (ك).
وإنَّما الجوارح أتباعٌ، وتُبَّعٌ "للقلب" يستخدمها استخدام الملوك للعبيد، والراعي للرعيَّة. والذي يسري إلى الجوارح من الطاعات والمعاصي إنَّما هي آثاره، فإنْ أظْلَمَ أظْلَمَت الجوارح، وإن اسْتَنارَ استنارت، ومع هذا فهو بين إصبعين من أصابع الرحمن ﷿١.
فسبحان مُقَلِّب القلوب، ومُودِعِها ما يشاء من أسرار الغيوب، الذي يحول بين المرء وقلبه، ويعلم ما ينطوي عليه من طاعته وذنبه٢، مُصَرِّفِ القلوب كيف أراد، وحيث أراد. أوحى إلى قلوب أوليائه: أنْ أَقْبِلِي إليَّ، فبَادَرَتْ، وبَاتَتْ٣ وقَالَتْ٤ بين يَدَي رَبِّ العالمين. وكَرِه ﷿ انبعاثَ آخرين فَثَبَّطَهُم، وقيل: اقعُدُوا مع القاعدين.
كانت أكثر يمين رسول الله ﷺ: "لا، ومُقَلِّبِ القلوب"٥.
وكان من دعائه: "اللهُمَّ يا مُقَلِّبَ القُلُوبِ ثَبِّتْ قُلُوبَنَا على طاعتك"٦.
(١) أخرج مسلم في "صحيحه" رقم (٢٦٥٤)، من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄؛ أنَّه سمع رسول الله ﷺ يقول: "إنَّ قلوبَ بني آدم كلِّها بين إصبعين من أصابع الرحمن، كقلبٍ واحدٍ، يصرِّفُه حيث يشاء". ثم قال رسول الله ﷺ: "اللهُمَّ مصرِّفَ القلوب؛ صَرِّف قلوبنا على طاعتك".
(٢) من (ز)، وفي باقي النسخ: ودينه.
(٣) ساقط من (ح) و(م).
(٤) جاء في هامش (ز) شرحًا لها: "قوله: "باتَتْ وقَالَتْ"، من البَيْتُوتة والقَيْلُولة، أي: استمرَّت ليلَها ونهارَها على ذلك".
(٥) سبق تخريجه (ص/ ١٤).
(٦) أخرجه بهذا اللفظ: أحمد في "المسند" (٣/ ١١٢ و٢٥٧)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (١٠/ ٢٠٩) و(١١/ ٣٦)، وابن أبي عاصم في "السنَّة" رقم (٢٢٥)، =