التبيان

ويطلق "القلب" على معنيين:

أحدهما: أمرٌ حِسِّيٌّ؛ وهو العضو اللَّحْميُّ الصَّنَوبَرِيُّ الشَّكْل، المُودَعُ في الجانب الأيسر من "الصَّدْر"، وفي باطنه تجويفٌ، وفي التجويف دَمٌ أسود، وهو منبع "الرُّوح".

والثاني: أمرٌ معنويٌّ؛ وهو لطيفةٌ ربَّانيةٌ رحمانيةٌ، روحانيَّةٌ، لها بهذا العضو تعلُّقُ اختصاصٍ. وتلك اللطيفة هي حقيقة الإنسانيَّة.

و"للقلب" جُنْدَان: جندٌ يُرَى بالأبصار، وجندٌ يُرَى بالبصائر.

فأمَّا جندُهُ المشاهَدَةُ: فالأعضاءُ الظاهرة والباطنة، وخُلِقَت خادِمةً له لا تستطيع له خلافًا. فإذا أَمَرَ "العينَ" بالانفتاح انفتحت، وإذا أمرَ "اللِّسَانَ" بالكلام تكلَّم، وإذا أمرَ "اليدَ" بالبطش١ بطَشَت، وإذا أمرَ "الرِّجْلَ" بالسعي٢ سَعَت، وكذا جميع الأعضاء ذُلِّلَتْ له تذليلًا٣.

  1. = عاصم في "السنَّة" رقم (٢٢٧ - ٢٢٨)، وابن ماجه في "سننه" رقم (٨٨)، وعبد بن حميد في "المنتخب" رقم (٥٣٤)، والبيهقي في "شعب الإيمان" رقم (٧٣٧ - ٧٣٨)، والبغوي في "شرح السنَّة" (١/ ١٦٤)، وغيرهم.
    واختلف في وقفه ورفعه، وللمرفوع شواهد يتقوى بها.
    قال العراقي: "إسناده حسن".
    وصححه الألباني في "ظلال الجنَّة" رقم (٢٢٧ - ٢٢٨)، و"صحيح الجامع" رقم (٥٨٣٣).
  2. (١) ساقط من (ح) و(م).
  3. (٢) ساقط من (ح) و(م).
  4. (٣) "تذليلًا" ملحق بهامش (ك).
626

ولمَّا خُلِقَ "القلبُ" للسفر إلى الله - تعالى - والدار الآخرة، وجُعِلَ في هذا العالَم ليتزوَّدَ منه = افتقر إلى المَرْكبِ والزَّادِ لسفره الذي خلق لأجله، فأُعِينَ بالأعضاء والقُوَى، وسُخِّرَت له، وأُقِيمَت في خدمته؛ لتجلب له ما يوافقه من الغذاء والمنافع، ويدفع عنه ما يضرُّهُ ويهلكه، فافتقر إلى جُنْدَين:

١ - باطنٍ؛ وهو الإرادة، والشهوة١، والقُوى.

٢ - وظاهرٍ؛ وهو الأعضاء.

فخلق في "القلب" من الإرادات والشهوات ما احتاج إليه، وخُلِقَت له الأعضاءُ التي هي آلةُ الإرادة، واحتاج لِدَفْع المَضَارِّ إلى جندين٢:

١ - باطنٍ؛ وهو الغضب الذي يدفع المُهْلِكَات، وينتقم من الأعداء.

٢ - وظاهرٍ؛ وهو الأعضاء التي يُنْفِذُ بها غَضَبَهُ، كالأسلحة للمقاتل.

ولا يتمُّ له ذلك إلا بمعرفته ما يَجْلِبُ وما يَدْفَعُ، فأُعِينَ بجُنْدٍ من العلم يكشف له حقائق ما ينفعه وما يضرُّه.

ولمَّا سُلِّطَت عليه الشهوةُ، والغضبُ، والشيطانُ؛ أُعِين بجندٍ من الملائكة، وجَعَلَ له مَحَلًّا من الحلال يُنْفِذُ فيه شهواتِه، وجَعَلَ بإزائه

  1. (١) من (ح) و(م)، وفي باقي النسخ: الإرادة للشهوة.
  2. (٢) من (م)، وفي باقي النسخ: جند.
627

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي