التبيان

ولمَّا خُلِقَ "القلبُ" للسفر إلى الله - تعالى - والدار الآخرة، وجُعِلَ في هذا العالَم ليتزوَّدَ منه = افتقر إلى المَرْكبِ والزَّادِ لسفره الذي خلق لأجله، فأُعِينَ بالأعضاء والقُوَى، وسُخِّرَت له، وأُقِيمَت في خدمته؛ لتجلب له ما يوافقه من الغذاء والمنافع، ويدفع عنه ما يضرُّهُ ويهلكه، فافتقر إلى جُنْدَين:

١ - باطنٍ؛ وهو الإرادة، والشهوة١، والقُوى.

٢ - وظاهرٍ؛ وهو الأعضاء.

فخلق في "القلب" من الإرادات والشهوات ما احتاج إليه، وخُلِقَت له الأعضاءُ التي هي آلةُ الإرادة، واحتاج لِدَفْع المَضَارِّ إلى جندين٢:

١ - باطنٍ؛ وهو الغضب الذي يدفع المُهْلِكَات، وينتقم من الأعداء.

٢ - وظاهرٍ؛ وهو الأعضاء التي يُنْفِذُ بها غَضَبَهُ، كالأسلحة للمقاتل.

ولا يتمُّ له ذلك إلا بمعرفته ما يَجْلِبُ وما يَدْفَعُ، فأُعِينَ بجُنْدٍ من العلم يكشف له حقائق ما ينفعه وما يضرُّه.

ولمَّا سُلِّطَت عليه الشهوةُ، والغضبُ، والشيطانُ؛ أُعِين بجندٍ من الملائكة، وجَعَلَ له مَحَلًّا من الحلال يُنْفِذُ فيه شهواتِه، وجَعَلَ بإزائه

  1. (١) من (ح) و(م)، وفي باقي النسخ: الإرادة للشهوة.
  2. (٢) من (م)، وفي باقي النسخ: جند.
627

أعداءً له يُنْفِذُ فيهم غَضَبَهُ، فما ابتُلِيَ بصفةٍ من الصفات إلا وجُعِلَ له مَصْرِفٌ ومَحَلٌّ يُنْفِذُها فيه. فجُعِلَ لقوَّة الحَسَدِ١ فيه مَصْرِفُ المنافسة في فِعْلِ الخير، والغِبْطَةِ عليه، والمسابقةِ إليه.

ولقوَّة الكِبْرِ التكبُّرُ على أعداء الله - تعالى - وإهانتهم، وقد قال النبيُّ ﷺ لمن رآه يختال٢ بين الصَّفَّين في الحرب: "إنَّهَا لمِشْيَةٌ يبغِضُها اللهُ إلا في هذا المَوطِنِ"٣. وقد أمر الله - سبحانه - بالغِلْظَة على أعدائه.

وجَعَلَ لقوَّة الحِرْصِ مَصْرِفًا، وهو الحرصُ على ما ينفع، كما قال النبيُّ ﷺ: "احرص على ما ينفعك"٤.

  1. (١) في (ك) و(ح) و(م) و(ط): الجَسَد!
  2. (٢) من (م)، وفي باقي النسخ: تَخَايَل.
  3. (٣) أخرجه: ابن إسحاق في "السيرة" رقم (٥٠٥)، ومن طريقه البيهقي في "دلائل النبوة" (٣/ ٢٣٣ - ٢٣٤)، والطبراني في "المعجم الكبير" رقم (٦٥٠٨)، ومن طريقه أبو نعيم في "معرفة الصحابة" رقم (٣٦٤٢).
    وفي إسناده ضعف، وقال الهيثمي عن إسناد الطبراني: "وفيه من لم أعرفه". "مجمع الزوائد" (٦/ ١٠٩).
    لكن الحديث يتقوى ببعض الأحاديث التي تؤيد معناه، وقد بوَّب ابن أبي عاصم في "كتاب الجهاد" (٢/ ٦٧٤): "الاختيال بين الصفَّين". وانظر: تخريج هذه الآثار لمحققه: مساعد بن سليمان الراشد الحميد (٢/ ٦٧٤ - ٦٧٨)، فقد أجاد.
    وأصل القصة في "صحيح مسلم" رقم (٢٤٧٠) وغيره، بدون هذه الزيادة.
    والذي كان يختال بين الصفين هو: أبو دُجَانَة؛ سِمَاك بن خَرَشَة الساعدي ﵁.
  4. (٤) جزء من حديث أبي هريرة ﵁؛ أخرجه مسلم في "صحيحه" رقم (٢٦٦٤).
628

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي