التبيان

أعداءً له يُنْفِذُ فيهم غَضَبَهُ، فما ابتُلِيَ بصفةٍ من الصفات إلا وجُعِلَ له مَصْرِفٌ ومَحَلٌّ يُنْفِذُها فيه. فجُعِلَ لقوَّة الحَسَدِ١ فيه مَصْرِفُ المنافسة في فِعْلِ الخير، والغِبْطَةِ عليه، والمسابقةِ إليه.

ولقوَّة الكِبْرِ التكبُّرُ على أعداء الله - تعالى - وإهانتهم، وقد قال النبيُّ ﷺ لمن رآه يختال٢ بين الصَّفَّين في الحرب: "إنَّهَا لمِشْيَةٌ يبغِضُها اللهُ إلا في هذا المَوطِنِ"٣. وقد أمر الله - سبحانه - بالغِلْظَة على أعدائه.

وجَعَلَ لقوَّة الحِرْصِ مَصْرِفًا، وهو الحرصُ على ما ينفع، كما قال النبيُّ ﷺ: "احرص على ما ينفعك"٤.

  1. (١) في (ك) و(ح) و(م) و(ط): الجَسَد!
  2. (٢) من (م)، وفي باقي النسخ: تَخَايَل.
  3. (٣) أخرجه: ابن إسحاق في "السيرة" رقم (٥٠٥)، ومن طريقه البيهقي في "دلائل النبوة" (٣/ ٢٣٣ - ٢٣٤)، والطبراني في "المعجم الكبير" رقم (٦٥٠٨)، ومن طريقه أبو نعيم في "معرفة الصحابة" رقم (٣٦٤٢).
    وفي إسناده ضعف، وقال الهيثمي عن إسناد الطبراني: "وفيه من لم أعرفه". "مجمع الزوائد" (٦/ ١٠٩).
    لكن الحديث يتقوى ببعض الأحاديث التي تؤيد معناه، وقد بوَّب ابن أبي عاصم في "كتاب الجهاد" (٢/ ٦٧٤): "الاختيال بين الصفَّين". وانظر: تخريج هذه الآثار لمحققه: مساعد بن سليمان الراشد الحميد (٢/ ٦٧٤ - ٦٧٨)، فقد أجاد.
    وأصل القصة في "صحيح مسلم" رقم (٢٤٧٠) وغيره، بدون هذه الزيادة.
    والذي كان يختال بين الصفين هو: أبو دُجَانَة؛ سِمَاك بن خَرَشَة الساعدي ﵁.
  4. (٤) جزء من حديث أبي هريرة ﵁؛ أخرجه مسلم في "صحيحه" رقم (٢٦٦٤).
628

ولقوَّة الشهوة مَصْرِفًا، وهو التزوُّجُ بأربع، والتَّسَرِّي بما شاء.

ولقوَّة حُبِّ المال مَصْرِفًا، وهو إنفاقُه في مرضاته، والتزوُّدُ منه لمَعَاده. فمحبَّة المال على هذا الوجه لا تُذَمُّ.

ولمحبَّة الجَاهِ مَصْرِفًا، وهو استعماله في تنفيذِ أوامره، وإقامةِ دينه، ونَصْرِ المظلوم، وإغاثةِ الملهوف، وإعانةِ الضعيف، وقَمْعِ أعداء الله. فمحبَّةُ الرياسة والجاه على هذا الوجه عبادةٌ.

وجَعَلَ لقوَّة اللعب واللهو مَصْرِفًا، وهو لَهْوُهُ مع امرأته، أو بقوسِهِ وسَهْمِهِ، أو تأديبُهُ فَرَسَهُ.

وكلُّ ما أعانَ على الحقِّ فهو من الحقِّ، وكلُّ ما أعانَ على الباطل فهو من الباطل والضلال١.

وجَعَلَ لقوَّة التحيُّلِ٢ والمَكْرِ فيه مَصْرِفًا، وهو التحيُّلُ على عدوِّهِ وعدوِّ الله - تعالى - بأنواع التحيُّلِ٣، حتَّى يُرَاغِمَهُ ويردَّهُ خاسئًا، ويستعملَ معه من أنواع المَكْر ما يستعمله عدوُّهُ معه.

وهكذا جميع القُوى التي رُكِّبَت فيه، فإنَّها لا تزول، ولا يُطْلَبُ٤ إعْدَامُها؛ وقد ركَبَها اللهُ فيه لمصالح اقتضتها حكمته، فلا يُطْلَبُ تعطيلها، وإنَّما تُصْرَفُ مجاريها من مَحَلٍّ إلى مَحَلٍّ، ومن موضعٍ إلى موضعٍ. ومن تأمَّلَ هذا الموضع وتفقَّه فيه؛ عَلِمَ شدَّةَ الحاجة إليه،

  1. (١) من قوله: "فهو من الحق. . ." إلى هنا؛ ساقط من (ح) و(م).
  2. (٢) تصحفت في (ك) إلى: البخل! وما بعده إلى: البخيل!!
  3. (٣) تصحفت في (ك) إلى: البخل!
  4. (٤) "فإنَّها لا تزول، ولا يُطلَب" ساقط من (ح) و(م).
629

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي