التبيان

ثُمَّ للنَّاس في هذه المحنة١ مراتب لا يحصيها إلا الله ﷿:

فمنهم من تكون لَمَّةُ المَلَك أغلب عليه من لَمَّةِ الشيطان وأقوى، فإذا أَلَمَّ به الشيطانُ وجَدَ من الأَلَم، والضِّيق، والحَصْر، وسوء الحال بحسب ما عنده من حياة "القلب"، فيُبَادِرُ إلى مَحْوِ تلك اللَّمَّة، ولا يَدَعها تستحكِمُ فيصعب تداركها. فهو دائمٌ بين اللَّمَّتَين، يُدَالُ له مرَّةً، ويُدَالُ عليه مرَّةً أخرى، والعاقبة للتقوى.

ومنهم من تكون لَمَّةُ الشيطان أغلب عليه من لَمَّةِ المَلَك وأقوى، فلا تزال تغلبُ لَمَّةَ المَلَك حتَّى تستحكم ويصير الحكم لها، فيموت

  1. = الشيطان الرجيم" ثم قرأ: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [البقرة: ٢٦٨].
    أخرجه: الترمذي في "سننه" رقم (٢٩٨٨)، وفي "العلل الكبير" رقم (٦٥٤)، والنسائي في "السنن الكبرى" رقم (١٠٩٨٥)، والبزار في "البحر الزخار" رقم (٢٠٢٧)، وأبو يعلى في "مسنده" رقم (٤٩٩٩)، وابن حبَّان في "صحيحه" رقم (٩٩٧)، وغيرهم.
    واختلف في وقفه ورفعه، والصواب وقفه.
    قال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب، وهو حديث أبي الأحوص، لا نعرفه مرفوعًا إلا من حديث أبي الأحوص".
    وبمثله قال البزار، ثم قال: "وقد رواه غير أبي الأحوص موقوفًا".
    وقال أبو زرعة: "الناس يوقفونه: عن عبد الله، وهو الصحيح"، وبنحوه عن أبي حاتم الرازي. "العلل" رقم (٢٢٢٤).
    قال ابن الأثير: "اللَّمَّةُ: الهَمَّة والخَطْرة تقع في القلب، أرادَ إلمامَ المَلَك أو الشيطان به، والقرب منه، فما كان من خطرات الخير فهو من الملك، وما كان من خطرات الشَّرِّ فهو من الشيطان". "النهاية" (٤/ ٢٧٣).
  2. (١) تصحفت في (ح) و(م) إلى: المحبة.
632

"القلب"، فلا يُحِسُّ بما ناله١ الشيطان، مع أنَّه في غاية العذاب، والأَلَم، والضِّيق، والحَصْر، ولكنَّ سُكْرَ الشهوة والغفلة حَجَبَ عنه الإحساس بذلك المُؤْلِم.

فإذا كُشِفَ عنه بعض غطائه أدركَ سُوءَ حاله، وعَلِمَ ما هو فيه، فإن استمرَّ له كَشْفُ الغطاء أمكَنَهُ٢ تدارُكُ هذا الدَّاءِ وحَسْمُهُ، وإن عادَ الغطاءُ عادَ الأمر كما كان، حتَّى يُكْشَفَ عنه وقت المُفَارَقَة، فتظهر حينئذٍ تلك الآلامُ، والهُمومُ، والغمومُ، والأحزانُ، وهي لم تتجدَّدْ له، وإنَّما كانت كامنةً فيه، تُوَارِيها الشَّوَاغِلُ، فلمَّا زالت الشَّوَاغل ظهر ما كان كامنًا، وتجدَّدَ له أضعافُه.

فصل

والشيطانُ يُلِمُّ بـ "القلب" لِمَا له هناك من جَوَاذِب تجذبه، وهي نوعان: صفات، وإرادات.

فإذا كانت الجَوَاذِبُ صفاتٍ قَوِيَ سُلْطَانُه هناك، واسْتفْحَلَ أمرُهُ، ووجَدَ موطِنًا ومَقَرًّا، فتبقى٣ الأذكارُ والدَّعواتُ والتعوُّذَاتُ التي يأتي بها الإنسانُ٤ حديثَ نفسٍ، لا تدفعُ سلطانَ الشيطان؛ لأنَّ مَرْكبَهُ صفةٌ لازِمةٌ.

  1. (١) في (ك) و(ح) و(ط) و(م): ما نازله.
  2. (٢) "أمكنه" ساقط من (ك).
    ومن قوله: "عنه بعض غطائه. . ." إلى هنا؛ ساقط من (ح) و(م).
  3. (٣) في (ح) و(م): فتأتي.
  4. (٤) "التي يأتي بها الإنسان" ساقط من (ح) و(م).
633

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي