التبيان

وإنْ تألَّمَت النَّفْسُ بمفارقة المحبوب، فَلْيُوازِنْ بين فَوَاتِ هذا المحبوب الأَخَسِّ المنقطِعِ النَّكِدِ، المَشُوبِ بالآلام والهموم، وبين فوات المحبوب الأعظم الدائم الذي لا نسبةَ لهذا المحبوب إليه أَلْبَتَّةَ؛ لا في قَدْرِهِ، ولا في دَوَامِهِ١ وبقائه.

وَلْيُوازِنْ بين أَلَم فَوتِه، وبين أَلَم فَوتِ المحبوبِ الأخَسِّ.

وَلْيُوازِنْ بين لذَّةِ الإنابةِ والإقبالِ على الله تعالى، والتنعُّمِ بحُبِّهِ، وذِكْرِهِ، وطاعتِه؛ ولذَّةِ الإقبال على الرذائل، والأَنْتَانِ، والقبائح.

وَلْيُوازِنْ بين لذَّةِ الظَّفَر بالذَّنْب، ولذَّة الظَّفَر بالعَدُوِّ؛ وبين لذَّةِ الذنب، ولذَّةِ العِفَّةِ؛ ولذَّةِ الذنب، ولذَّةِ القوَّة وقَهْر الهَوَى؛ وبين لذَّةِ الذنب، ولذَّةِ إرغام عدوِّهِ وردِّهِ خاسئًا ذليلًا؛ وبين لذَّةِ الذنب، ولذَّةِ الطاعة التي تَحُولُ بينه وبينَه؛ وبين مرارة فَوتِه، ومَرَارةِ فَوتِ٢ ثناء الله - تعالى - وملائكته عليه، وفَوتِ حُسْنِ جزائه، وجزيلِ ثوابه؛ وبين فرحةِ إدراكِه، وفرحة تركه لله - تعالى - عاجلًا، وفرحةِ ما يُثِيبُهُ عليه في دنياه وآخرته، والله المستعان.

وهذا فصلٌ جَرَّهُ الكلام في قوله تعالى: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢١]، أشرنا إليه إشارة٣، لو استقصيناه لاستدعَى عِدَّةَ أسفارٍ، ولكن فيما ذكرناه تنبيه على ما تركناه. وبالله التوفيق.

  1. (١) ساقط من (ح) و(م).
  2. (٢) العبارة مرتبكة في (ز) و(ح) و(م) هكذا: وبين مراده فوته ومراده فوته ومراده فوت .. !
  3. (٣) من (ح) و(م)، وسقطت من باقي النسخ.
636

فصل

ولنرجع إلى المقصود:

ثُمَّ قال الله تعالى: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ ٢٢﴾ [الذاريات: ٢٢].

أمَّا "الرِّزْقُ": ففُسِّر بالمطر١، وفُسِّر بالجنَّة٢.

فَفُسِّر برزق الدنيا والآخرة، ولا ريب أنَّ المطر من الرَّحمة، وأنَّ الجنَّةَ مستقَرُّ الرَّحمة. فَرِزْقُ الدَّارَين في السماء التي هي في العُلُوِّ.

وقوله تعالى: ﴿وَمَا تُوعَدُونَ ٢٢﴾، قال عطاء٣: "من الثواب والعقاب".

وقال الكلبي: "من الخير والشَّرِّ".

  1. (١) وهو قول: علي، وابن عباس ﵄، ومقاتل، ومجاهد، والضحَّاك، وسعيد بن جبير، والحسن، ومذهب جمهور المفسِّرين، وكثير منهم لا يذكر غيره.
    انظر: "زاد المسير" (٧/ ٢٠٨)، و"الجامع" (١٧/ ٤١).
  2. (٢) رواه ابن أبي نجيح عن مجاهد. "زاد المسير" (٧/ ٢٠٨).
    ويروى عنه قول ثالث - أيضًا - وهو أن المراد: القضاء والقدر، أي: الرزق عند الله تعالى، يأتي به كيف شاء. ونسب إلى: واصل الأحدب، واختاره أبو عبيدة في "مجاز القرآن" (٢/ ٢٢٦).
    ومال إليه: أبو السعود في "تفسيره" (٥/ ١٠١)، والألوسي في "روح المعاني" (٢٧/ ٩).
    وانظر: "المحرَّر الوجيز" (١٤/ ١٧)، و"البحر المحيط" (٨/ ١٣٥).
  3. (٣) هنا ينتهي السقط في (ن)، وكان ابتداؤه من (ص/ ٤٥٧).
637

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي