التبيان

فصل

ولنرجع إلى المقصود:

ثُمَّ قال الله تعالى: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ ٢٢﴾ [الذاريات: ٢٢].

أمَّا "الرِّزْقُ": ففُسِّر بالمطر١، وفُسِّر بالجنَّة٢.

فَفُسِّر برزق الدنيا والآخرة، ولا ريب أنَّ المطر من الرَّحمة، وأنَّ الجنَّةَ مستقَرُّ الرَّحمة. فَرِزْقُ الدَّارَين في السماء التي هي في العُلُوِّ.

وقوله تعالى: ﴿وَمَا تُوعَدُونَ ٢٢﴾، قال عطاء٣: "من الثواب والعقاب".

وقال الكلبي: "من الخير والشَّرِّ".

  1. (١) وهو قول: علي، وابن عباس ﵄، ومقاتل، ومجاهد، والضحَّاك، وسعيد بن جبير، والحسن، ومذهب جمهور المفسِّرين، وكثير منهم لا يذكر غيره.
    انظر: "زاد المسير" (٧/ ٢٠٨)، و"الجامع" (١٧/ ٤١).
  2. (٢) رواه ابن أبي نجيح عن مجاهد. "زاد المسير" (٧/ ٢٠٨).
    ويروى عنه قول ثالث - أيضًا - وهو أن المراد: القضاء والقدر، أي: الرزق عند الله تعالى، يأتي به كيف شاء. ونسب إلى: واصل الأحدب، واختاره أبو عبيدة في "مجاز القرآن" (٢/ ٢٢٦).
    ومال إليه: أبو السعود في "تفسيره" (٥/ ١٠١)، والألوسي في "روح المعاني" (٢٧/ ٩).
    وانظر: "المحرَّر الوجيز" (١٤/ ١٧)، و"البحر المحيط" (٨/ ١٣٥).
  3. (٣) هنا ينتهي السقط في (ن)، وكان ابتداؤه من (ص/ ٤٥٧).
637

وقال مجاهد: "الجنَّة والنَّار".

وقال ابن سيرين: "من أمر الساعة"١.

قلت: كَوْنُ الجنَّة والخير في السماء فلا إشكال فيه. وكَوْنُ النَّار في السماء وما يُوعَدُونَ به أهلُها يحتاجُ إلى تبيين:

فإذا نظرت إلى أسباب الخير والشَّرِّ، وأسباب دخول الجنَّة والنَّار، وافتراق النَّاس وانقسامهم إلى شقيٍّ وسعيدٍ = وجدتَ ذلك كلَّه بقضاءِ الله وقَدَرِهِ النَّازل من السماء. وذلك كله مُثْبَتٌ في السماء في صحف الملائكة، وفي اللَّوح المحفوظ، قبل العمل وبعده. فالأمر كلُّه من السماء.

وقول من قال: "من أمر السَّاعة" يكشف عن هذا المعنى؛ فإنَّ أمر السَّاعة يأتي من السماء، وهو الموعود بها، والجنَّةُ والنَّارُ الغايةُ التي لأجلها قامت السَّاعة. فصحَّ كلُّ ما قال السلف في ذلك. والله أعلم.

فصل

ثُمَّ أقسم - سبحانه - أعظمَ قسمٍ، بأعظم مُقْسَمٍ به، على أَجَلِّ مُقْسَمٍ عليه، وأكَّدَ الإخبار به بهذا القَسَم، ثُمَّ أكَّدَهُ - سبحانه - بشِبْهِه بالأمر المُحَقَّق الذي لا يشكُّ فيه ذو حاسَّةٍ سليمةٍ، قال تعالى: ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ ٢٣﴾ [الذاريات: ٢٣].

قال ابن عباس ﵄: "يريدُ إنَّه لَحَقٌّ واقعٌ، كما أنكم

  1. (١) انظر: "تفسير الطبري" (١١/ ٤٦١)، و"الوسيط" (٤/ ١٧٦)، و"تفسير الماوردي" (٥/ ٣٦٨).
638

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي