التبيان

وقال مجاهد: "الجنَّة والنَّار".

وقال ابن سيرين: "من أمر الساعة"١.

قلت: كَوْنُ الجنَّة والخير في السماء فلا إشكال فيه. وكَوْنُ النَّار في السماء وما يُوعَدُونَ به أهلُها يحتاجُ إلى تبيين:

فإذا نظرت إلى أسباب الخير والشَّرِّ، وأسباب دخول الجنَّة والنَّار، وافتراق النَّاس وانقسامهم إلى شقيٍّ وسعيدٍ = وجدتَ ذلك كلَّه بقضاءِ الله وقَدَرِهِ النَّازل من السماء. وذلك كله مُثْبَتٌ في السماء في صحف الملائكة، وفي اللَّوح المحفوظ، قبل العمل وبعده. فالأمر كلُّه من السماء.

وقول من قال: "من أمر السَّاعة" يكشف عن هذا المعنى؛ فإنَّ أمر السَّاعة يأتي من السماء، وهو الموعود بها، والجنَّةُ والنَّارُ الغايةُ التي لأجلها قامت السَّاعة. فصحَّ كلُّ ما قال السلف في ذلك. والله أعلم.

فصل

ثُمَّ أقسم - سبحانه - أعظمَ قسمٍ، بأعظم مُقْسَمٍ به، على أَجَلِّ مُقْسَمٍ عليه، وأكَّدَ الإخبار به بهذا القَسَم، ثُمَّ أكَّدَهُ - سبحانه - بشِبْهِه بالأمر المُحَقَّق الذي لا يشكُّ فيه ذو حاسَّةٍ سليمةٍ، قال تعالى: ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ ٢٣﴾ [الذاريات: ٢٣].

قال ابن عباس ﵄: "يريدُ إنَّه لَحَقٌّ واقعٌ، كما أنكم

  1. (١) انظر: "تفسير الطبري" (١١/ ٤٦١)، و"الوسيط" (٤/ ١٧٦)، و"تفسير الماوردي" (٥/ ٣٦٨).
638

تنطقون".

وقال الفرَّاء: "إنَّه لَحَقٌّ كما أنَّ الآدميَّ ناطِقٌ"١.

وقال الزجَّاجُ: "هذا كما تقول في الكلام: إنَّ هذا لحقٌّ كما أنَّك هاهنا"٢.

قلت: وفي الحديث "إنَّه لَحَقٌّ كما أنَّكَ هاهنا"٣.

فشَبَّهَ - سبحانه - تحقيقَ ما أخبر به بتحقيق نطق الآدميِّ ووجوده. والواحدُ منَّا يعرف أنَّه ناطقٌ ضرورةً، ولا يحتاج نُطْقُهُ إلى استدلالٍ على وجوده، ولا يُخَالِجُه شَكٌّ في أنَّه ناطِقٌ. فكذلك ما أخبر الله - سبحانه - عنه من أمر التوحيد، والنبوَّة، والمَعَاد، وأسمائه، وصفاته؛ حقٌّ ثابتٌ في نفس الأمر، يُشْبِهُ ثُبوت نطقكم ووجوده.

وهذا بابٌ يعرفه النَّاس في كلامهم، يقول أحدُهم: هذا حقٌّ مثل الشمس. وأفصح الشاعر٤ عن هذا بقوله:

وليس يَصِحُّ في الأَذْهَانِ شيءٌإذا احتاجَ النَّهَارُ إلى دليل

وهاهنا أمرٌ ينبغي التفطُّنُ له؛ وهو أنَّ الرَّبَّ - تعالى - شَهِدَ بصحة ما أخبر به، وهو أصدق الصادقين، وأقسم عليه، وهو أبَرُّ المُقْسِمِين، وأكَّدَهُ بتشبيهه بالواقع الذي لا يقبل الشكَّ بوجهٍ،

  1. (١) "معاني القرآن" (٣/ ٨٥).
  2. (٢) "معاني القرآن" (٥/ ٥٤)، وفيه: "إن هذا لحقٌّ كما أنكَ متكلِّمٌ".
  3. (٣) سبق تخريجه (ص/ ٢٦٥).
  4. (٤) هو المتنبي "ديوانه" (٣٤٣)، ولفظ الديوان: "الأفهام" بدل: الأذهان.
639

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي