التبيان

وأقام عليه من الأدلَّة العِيَانيَّةِ والبُرْهَانيَّة ما جعله مُعَايَنًا مُشَاهَدًا بالبصائر، وإن لم يُعَايَنْ بالأبصار = ومع ذلك فأكثر النُّفوس في غفلةٍ عنه لا تستعِدُّ له، ولا تأخذ له أُهْبَتَهُ.

والمستعِدُّ له، الآخذُ له أُهْبَتَهُ؛ لا يعطيه حقَّه منهم إلا الفَرْد بعد الفَرْد، فأكثر هذا الخلق لا ينظرون في المراد من إيجادهم وإخراجهم إلى هذه الدار، ولا يتفكرون في قِلَّةِ مَقَامِهم في دار الغرور، ولا في رحيلهم وانتقالهم عنها، ولا إلى أين يرحلون؟ وأين يستقرُّون؟ قد مَلَكَهُم الحِسُّ، وقلَّ نصيبُهم من العقل، وشملتهم الغفلة، وغرَّتهم الأمانيُّ التي هي كالسَّرَاب، وخَدَعَهم طُولُ الأمل، فكأنَّ المقيمَ لا يَرْحَل، وكأنَّ أحدَهم لا يُبْعَث ولا يُسْأل، وكأنَّ مع كل مقيمٍ توقيعٌ من الله لفلانِ ابن فلانٍ بالأَمَانِ من عذابه، والفوزِ بجزيل ثوابه.

فأمَّا هِمَّتُهُم١ ففي اللذَّات الحِسِّية، والشهوات النفسيَّة، كيفَمَا حصلت حَصَّلُوها، ومن أيِّ وجهٍ لَاحَتْ أخذوها، غافلين عن المطالبة، آمنين من المُعَاقبة٢. يَسْعَون لما لا يُدْرِكُون، ويتركون ما هم به مُطَالَبون، ويَعْمُرُون ما هم عنه منتقلون، ويُخرِّبون ما هم إليه صائرون، ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ ٧﴾ [الروم: ٧]. ألسنتُهم لا تنطق٣ إلا بشهواتِ نفوسهم، فلا ينظرون في مصالحها٤، ولا يأخذون في جمع زادها في سفرها: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ

  1. (١) ساقط من (ح) و(م).
  2. (٢) في (ك) و(ح) و(م): العاقبة.
  3. (٣) "لا تنطق" ملحق بهامش (ن)، وهي مع "إلا" ساقط من (ح) و(م).
  4. (٤) في (ك): مصالحهم.
640

هُمُ الْفَاسِقُونَ (١٩)﴾ [الحشر: ١٩].

والعجبُ كلُّ العجب من غفلةِ من تُعَدُّ لحظاته، وتحصى عليه أَنْفَاسُهُ، ومطايا الليل والنَّهار تُسْرِع به، ولا يتفكر إلى أين يُحْمَلُ؟ ولا إلى أيِّ منزلٍ يُنْقَل؟

وكيفَ تَنَامُ العَينُ وهي قَرِيرَةٌولم تَدْرِ في أَيِّ المَحَلَّينِ تَنْزِلُ؟١

وإذا نزل بأحدهم الموتُ قَلِقَ لِخَرَابِ ذاته، وذهابِ لَذَّاتِه، لا لما سَبَقَ من جناياته، ولا لسُوء منقلبه بعد مماته، فإن خطرت على قلب أحدهم خَطْرةٌ من ذلك اعتمد على العفو والرَّحمة، كأنَّهُ يتيقَّنُ أنَّ ذلك نصيبه ولا بدَّ.

فلو أنَّ العاقلَ أحضَرَ ذهنه واستحضَرَ عقله، وسار بفكره، وأَنْعَم٢ النَّظرَ، وتأمَّلَ الآيات = لَفَهِمَ المرادَ من إيجادِه، ولَنَظَرَتْ عينُ الراحِل إلى الطريق، ولأَخَذَ المسافرُ في التزوُّدِ، والمريضُ في التداوي.

والحازِمُ يُعِدُّ [لـ]٣ ــما يجوز أن يأتي؛ فما الظنُّ بأمر متيقَّنٍ! كما أنه لصِدْقِ إيمانهم، وقوَّةِ إيقانهم، وكأنَّهم يُعَاينُون الأمر، فأَضْحَت ربوعُ الإيمان من أهلها خالية، ومعالِمُهُ على عروشها خاوية.

  1. (١) البيت لبعض العُبَّاد بدون نسبة كما في: "شعب الإيمان" للبيهقي (٣/ ٢١٣)، و"حلية الأولياء" لأبي نعيم (٩/ ٣٤٤).
  2. (٢) في (ز): وأمعن، وفي (م): واتَّهم.
  3. (٣) زيادة "اللام" موضحة للمعنى.
641

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي