قال ابن وهبٍ: أخبرني مَسْلَمَةُ بن عُلَيٍّ١، عن الأوزاعي، قال: "كان السلفُ إذا صَدَعَ الفجر أو قبله كأنَّما على رؤوسهم الطَّيْرُ، مُقْبِلين على أنفسهم، حتَّى لو أنَّ حبيبًا لأحدهم غاب عنه حينًا ثُمَّ قَدِمَ؛ لَمَا التفتَ إليه. فلا يزالون كذلك إلى طلوعِ الشمس، ثُمَّ يقوم بعضهم إلى بعضٍ فَيَتَحلَّقُونَ، فأوَّلُ ما يُفِيضُون فيه أمرُ مَعَادِهم، وما هم صائرون إليه، ثُمَّ٢ يأخذون في الفقه"٣.
(١) في جميع النسخ: مسلم بن علي، والتصحيح من كتب الرجال. وهو: مسلمة بن عُلَيّ - بالتصغير - بن خَلَف الخُشَني، أبو سعيد الدمشقيُّ البَلَاطيُّ، متروك الحديث. "تهذيب الكمال" (٢٧/ ٥٦٧ - ٥٧١).
(٢) ساقط من (ز).
(٣) أخرجه - من هذا الطريق - ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٣٧/ ٩٧).
الصحيحُ أنَّ: "ق"، و"ن"، و"ص"؛ بمنزلة "حم"، و"ألم"، و"طس"؛ تلك حروفٌ مُفْرَدَةٌ١، وهذه متعدِّدَةٌ، وقد تقدَّمت الإشارة إلى بعض ما قيل فيها٢.
وهاهنا قد اتَّحَدَ المُقْسَمُ٣ به، والمُقْسَمُ عليه؛ وهو: القرآن.
فأقسَمَ بالقرآنِ على ثبوته وصدقه، وأنَّه حقٌّ من عنده. ولذلك حذف الجوابَ ولم يُصَرِّح به؛ لمَا في القَسَم من الدلالة عليه، ولأنَّ المقصود نفس المُقْسَم٤ به كما تقدَّم بيانه.
ثُمَّ أخذ - سبحانه - في بيان عَجَبِ الكفَّار من غير عَجَبٍ، بل بما لا ينبغي أن يقع سواهُ، كما قال سبحانه: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ ١ أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾[يونس: ١ - ٢]، فأيُّ عَجَبٍ من هذا حتَّى يقول الكافرون: ﴿إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ ٧٦﴾؟ وكيف يُتَعَجَّبُ من رحمةِ الخالقِ عبادَهُ، وهدايتِه، وإنعامِه عليهم بتعريفهم على لسان رسوله ﷺ بطريق الخير والشَّرِّ، وما هم صائرون إليه بعد الموت، وأمرِهِم