التبيان

لإثبات الأخفِّ، لكثرة دَوَرَان١ الحَلِفِ على ألسنتهم٢.

وأيضًا: فإنَّ "العَمْرَ" حياتُه خُصُوصةً٣، فهو عُمْرٌ شريفٌ عظيمٌ، أَهْلٌ أنْ يُقْسَمَ به، لمزيَّته على كلِّ عُمْرٍ من أعمار بني آدم.

ولا ريب أنَّ عُمْرَهُ ﷺ له مَزيَّةٌ على عُمْر كلِّ من سواه، والآياتُ التي كانت في عُمْرِه وحياتِهِ من أعظم الآيات، بل عُمْرُهُ وحياتُهُ من أعظم النِّعَمِ والآياتِ، فهو أهلٌ أنْ يُقْسَمَ به، والقَسَمُ به أَوْلَى من القَسَم بغيره من المخلوقات.

وقوله تعالى: ﴿يَعْمَهُونَ ٧٢﴾؛ أي: يَتَحَيَّرُون.

وإنَّما وصف الله - سبحانه - اللُّوطِيَّةَ بالسَّكْرة؛ لأنَّ العِشْقَ له٤ سَكْرةٌ مثلُ سَكْرَةِ الخَمْرِ وأشدُّ٥، كما قال القائل٦:

سُكْرَان: سُكْرُ هَوَىً، وسُكْرُ مُدَامَةٍومتى إفَاقَةُ مَنْ به سُكْرَانِ؟
  1. (١) في جميع النسخ: الدور، وما أثبته أصح.
  2. (٢) نقل الزجَّاجُ اتفاقَ أهل اللغة على ذلك. "معاني القرآن" (٣/ ١٨٣).
  3. (٣) في (ح) و(م): حياةٌ مخصوصة.
  4. (٤) في (ح) و(م): لأنَّ للعشق سكرة.
  5. (٥) ساقط من (ن).
  6. (٦) هو: ديكُ الجِنِّ "ديوانه" (١٩٤)، ولفظ العجز: أَنَّى يفيقُ …
651

فصل

ومن ذلك قوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ٦٥﴾ [النساء: ٦٥].

أقسم - سبحانه - بنفسِهِ المُقَدَّسَةِ، قَسَمًا مؤكَّدًا بالنفي قبله؛ على عدم إيمان الخَلْق حتَّى يحكِّموا رسوله في كلِّ ما شَجَر بينهم من الأصولِ، والفروع، وأحكامِ الشَّرْع، وأحكامِ المَعَادِ، ومسائِلِ الصِّفَاتِ وغيرِها.

ولم يُثبِتْ لهم الإيمانَ بمُجَرَّدِ هذا التحكيم حتَّى ينتفي عنهم الحَرَجُ، وهو ضيقُ الصَّدْر، فتنشرح صدورُهم لحُكْمِه كلَّ الانشراح، وتَنْفَسِحَ له كلَّ الانْفِسَاح، وتقبَلَهُ كلَّ القبول.

ولم يُثبِتْ لهم الإيمانَ بذلك - أيضًا - حتَّى يَنْضَافَ إليه مُقَابَلَةُ حكمه بالرِّضى والتسليمِ، وعدمِ المُنَازَعةِ، وانتفاءِ المعارضةِ والاعتراض.

فهاهنا ثلاثةُ أمورٍ: التحكيم، وانتفاء الحرج، والتسليم.

فلا يلزم من التحكيم انتفاء الحَرَج؛ إذ١ قد يحكِّم الرجلُ غيرَهُ وعنده حَرَجٌ من حكمه.

ولا يلزم من انتفاءِ الحَرَج الرِّضا والتسليمُ والانقيادُ؛ إذ قد يحكِّمُه وينتفي الحَرَجُ عنه في تحكيمه، ولكن لا ينقَادُ قلبُه، ولا يرضى كلَّ

  1. (١) من قوله: "ثلاثة أمور: التحكيم. . ." إلى هنا؛ ساقط من (ح) و(م).
652

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي