وقرَّرَهُ بعضُهم بأن قال: "أصل الكلام: "بل الذين كفروا في عزَّةٍ وشقاقٍ، والقرآن ذي الذِّكْر"، فلمَّا قُدِّم القسَمُ تُرِك على حاله".
قال الأخفش: "وهذا يقوله الكوفيون، وليس بجيدٍ في العربية، لو قلتَ: واللهِ قام، وأنتَ تريد: قام واللهِ، لم يَحْسُن".
وقال النحَّاس١: "هذا خطأ على مذهب النحويين؛ لأنَّه إذا ابتدأ بالقَسَم وكان الكلام معتمِدًا عليه؛ لم يكن بُدٌّ من الجواب، وأجمعوا أنَّه لا يجوز "واللهِ قام عمروٌ"، بمعنى "قام عمروٌ واللهِ"؛ لأنَّ الكلام يعتمد على القَسَم"٢.
وذكر الأخفشُ وجهًا آخر في جواب القَسَم، فقال: "يجوز أن يكون لـ "ص" معنىً يقع عليه القَسَم، لا ندري نحن ما هو، كأنَّه يقول: الحقُ واللهِ".
قال أبو الحسن الواحديُّ٣: "وهذا الذي قاله الأخفش صحيح
(١) هو أحمد بن محمد بن إسماعيل المرادي المصري، أبو جعفر النحَّاس، كان واسع العلم، غزير الرواية، كثير التأليف، جوَّد بقلمه عدة مصنفات منها: "كتاب الإعراب"، و"معاني القرآن"، و"تفسير أبيات كتاب سيبويه"، وغير ذلك، توفي بمصر سنة (٣٣٧ هـ) ﵀. انظر: "نزهة الألباء" رقم (١٠٩)، و"إنباه الرواة" (١/ ١٣٦).
(٣) هو أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي بن متَّويه، الواحديُّ النيسابوري الشافعي، إمام عصره في التفسير، صنف فيه: "البسيط"، و"الوسيط"، و"الوجيز"، توفي بنيسابور سنة (٤٦٨ هـ) ﵀. انظر: "وفيات الأعيان" (٢/ ٤٦٤)، و"طبقات المفسرين" للداودي =
المعنى على قول من يقول: ﴿ص﴾ الصادق الله، أو صَدَقَ محمد ﷺ".
وذكر الفرَّاء١ هذا الوجه - أيضًا - فقال: " ﴿ص﴾ جواب القَسَم". وقال: "هو كقولك: وجَبَ واللهِ، ونَزَلَ واللهِ، فهي جوابٌ لقوله: ﴿وَالْقُرْآنِ﴾ "٢.
وذكر النحَّاسُ وغيرُه وجهًا آخر في الجواب، وهو أنَّه محذوفٌ تقديره: والقرآن٣ ذي الذِّكْر، ما الأمرُ كما يقوله هؤلاء الكفار. ودلَّ على المحذوف قوله تعالى: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾٤.
وهذا اختيار ابن جرير٥، وهو مخرَّجٌ من قول قتادة، وشَرَحه الجُرْجَانيُّ٦، فقال: ""بَلْ" رافِعٌ لخبرٍ قبله، ومثبتٌ لخبرٍ بعدَه، فقد ظهر ما بعده، وأُضْمِرَ ما قبله، وما بعده دليلٌ على ما قبله، فالظاهر يدلُّ على الباطن، فإذا كان كذلك وجَبَ أن يكون قوله: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ ٢﴾ مخالفًا لهذا المُضْمَر، فكأنَّهُ قيل: والقرآن ذي الذِّكْر إنَّ
= (١/ ٣٩٤).
(١) هو أبو زكريا يحيى بن زياد الفرَّاء الديلمي، إمام الكوفيين، وأمير المؤمنين في النحو، صنف: "معاني القرآن"، و"الحدود"، و"اللغات"، وغير ذلك، توفي بطريق مكة سنة (٢٠٧ هـ) ﵀. انظر: "إنباه الرواة" (٤/ ٧)، و"نزهة الألباء" (٩٨).
(٢) "معاني القرآن" (٢/ ٣٩٦)، واستحسنه ابن الأنباري في "إيضاح الوقف والابتداء" (٢/ ٨٦٠). وضعفه ابن هشام في "مغني اللبيب" (٦/ ٥١٨) وغيره.
(٣) من قوله: "وذكر النحَّاس وغيره. . ." إلى هنا؛ ساقط من (ز).
(٤) "معاني القرآن" للنحَّاس (٦/ ٧٦ - ٧٧).
(٥) انظر: "جامع البيان" (١٠/ ٥٤٧).
(٦) هو الحسن بن يحيى الجُرْجَاني، وقد سبقت ترجمته (ص/ ١٧).