التبيان

فصل

ومن ذلك قوله تعالى: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ ١ وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ ٢﴾ [القيامة: ١ - ٢]، فقد تضمَّن هذا الإقسام ثبوتَ الجزاء، ومستَحَقَّ الجزاء١، وذلك يتضمَّن إثبات: الرِّسَالةِ، والقرآنِ، والمَعَادِ.

وهو - سبحانه - يُقْسِم على هذه الأمور الثلاثة، ويقرِّرُها أبلغ التقرير، لحاجة النفوس إلى معرفتها، والإيمان بها، وأمر رسوله ﷺ أن يُقْسِم عليها، كما:

١ - قال تعالى: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ [يونس: ٥٣].

٢ - وقال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ [سبأ: ٣].

٣ - وقال تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ٧﴾ [التغابن: ٧].

وقد تقدَّم٢ إقسامُه عليها في ثلاثة مواضعَ من كتابه لا رابع لها٣، يأمر رسوله ﷺ أن يُقْسِم على ما أقْسَمَ عليه هو - سبحانه - من: النُّبوَّةِ، والقرآنِ، والمَعَادِ.

فأقسم - سبحانه - لعباده، وأمَرَ أَصْدَق خَلْقِه أن يُقْسِم لهم،

  1. (١) "مستحق الجزاء" ساقط من (ن).
  2. (٢) راجع (ص/ ٩).
  3. (٣) جاءت هذه الجملة في (ح) و(م) هكذا: فهذه ثلاثة مواضع لا رابع لها.
22

وأقام البراهين القطعيَّةَ على ثبوت ما أقسم عليه، فأبى الظالمون إلا جحودًا وتكذيبًا.

واختُلِفَ في "النَّفْسِ" المُقْسَم بها ههنا، هل هي خاصَّةٌ أو عامَّة؟ على قولين، بناءً على الأقوال الثلاثة في "اللوَّامة":

فقال ابن عباس: "كلُّ نفسٍ تَلُومُ نفسَها يوم القيامة؛ يَلُومُ المُحْسِنُ نفسه١ أن لا يكون ازداد إحسانًا، ويَلومُ المُسِيء نفسه أن لا يكون رجع عن إساءته".

واختاره الفرَّاء؛ قال: "ليس من نفسٍ، بَرَّةٍ ولا فاجرةٍ، إلا وهي تلوم نفسها، إن كانت عملت خيرًا قالت: هَلَّا ازددتُ؟ وإن كانت عملت سوءًا، قالت: ليتني لم أفعل"٢.

والقول الثاني: أنَّها خاصَّةٌ.

قال الحسن: "هي النَّفْسُ المؤمنة، فإنَّ المؤمن - واللهِ - لا تَرَاهُ إلا يَلُوم نفسه على كلِّ حالِهِ، لأنَّه يَسْتَقْصِرُها في كلِّ ما تفعل، فيندمُ ويلومُ نفسَهُ، وإنَّ الفاجر يمضي قُدُمًا، لا يعاتبُ نفسَهُ"٣.

والقول الثالث: أنَّها النَّفْس الكافرة وحدها، قاله: قتادة، ومقاتل٤؛ هي النَّفْس الكافرة تلوم نفسها في الآخرة على ما فرَّطَت في

  1. (١) في (ن) زيادة: يوم القيامة.
  2. (٢) "معاني القرآن" (٣/ ٢٠٨).
  3. (٣) أخرجه: عبد الله بن أحمد في زوائده على "الزهد" رقم (١٦٢١).
  4. (٤) "تفسير مقاتل" (٣/ ٤٢١).
    وهو مقاتل بن سليمان بن بشير الأزدي الخراساني، أبو الحسن البَلْخي، عالمٌ بالتفسير، طعنوا في معتقده وروايته، قال الذهبي: "أجمعوا على تركه"، =
23

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي