التبيان

وأقام البراهين القطعيَّةَ على ثبوت ما أقسم عليه، فأبى الظالمون إلا جحودًا وتكذيبًا.

واختُلِفَ في "النَّفْسِ" المُقْسَم بها ههنا، هل هي خاصَّةٌ أو عامَّة؟ على قولين، بناءً على الأقوال الثلاثة في "اللوَّامة":

فقال ابن عباس: "كلُّ نفسٍ تَلُومُ نفسَها يوم القيامة؛ يَلُومُ المُحْسِنُ نفسه١ أن لا يكون ازداد إحسانًا، ويَلومُ المُسِيء نفسه أن لا يكون رجع عن إساءته".

واختاره الفرَّاء؛ قال: "ليس من نفسٍ، بَرَّةٍ ولا فاجرةٍ، إلا وهي تلوم نفسها، إن كانت عملت خيرًا قالت: هَلَّا ازددتُ؟ وإن كانت عملت سوءًا، قالت: ليتني لم أفعل"٢.

والقول الثاني: أنَّها خاصَّةٌ.

قال الحسن: "هي النَّفْسُ المؤمنة، فإنَّ المؤمن - واللهِ - لا تَرَاهُ إلا يَلُوم نفسه على كلِّ حالِهِ، لأنَّه يَسْتَقْصِرُها في كلِّ ما تفعل، فيندمُ ويلومُ نفسَهُ، وإنَّ الفاجر يمضي قُدُمًا، لا يعاتبُ نفسَهُ"٣.

والقول الثالث: أنَّها النَّفْس الكافرة وحدها، قاله: قتادة، ومقاتل٤؛ هي النَّفْس الكافرة تلوم نفسها في الآخرة على ما فرَّطَت في

  1. (١) في (ن) زيادة: يوم القيامة.
  2. (٢) "معاني القرآن" (٣/ ٢٠٨).
  3. (٣) أخرجه: عبد الله بن أحمد في زوائده على "الزهد" رقم (١٦٢١).
  4. (٤) "تفسير مقاتل" (٣/ ٤٢١).
    وهو مقاتل بن سليمان بن بشير الأزدي الخراساني، أبو الحسن البَلْخي، عالمٌ بالتفسير، طعنوا في معتقده وروايته، قال الذهبي: "أجمعوا على تركه"، =
23

أمر١ الله.

قال شيخنا٢: "والأظهر أنَّ المرادَ نفسُ الإنسانِ مطلقًا، فإنَّ نفسَ كلِّ إنسانٍ لوَّامَةٌ، كما أقسم بجنس "النَّفْس" في قوله: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا ٧ فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ٨﴾ [الشمس: ٧، ٨]، فإنَّه لا بدَّ لكلِّ إنسانٍ أن يلوم نفسَه أو غيرَه على أمرٍ.

ثُمَّ هذا اللَّومُ قد يكون محمودًا، وقد يكون مذمومًا، كما قال تعالى: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ ٣٠ قَالُوا يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ ٣١﴾ [القلم: ٣٠، ٣١]، وقال تعالى: ﴿يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ﴾ [المائدة: ٥٤]، فهذا اللَّومُ غير محمود.

وفي "الصحيحين"٣ في قصة احتجاج آدم وموسى: "أَتَلُومني على أمرٍ قدَّرَهُ اللهُ عليَّ قبل أن أُخْلَق؟ " قال: فحَجَّ آدمُ موسى٤ … الحديث.

فهو - سبحانه - يُقْسمُ على صفة "النَّفْس اللوَّامة" كقوله: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ ٦﴾ [العاديات: ٦]، وعلى جزائها كقوله:

  1. = توفي سنة (١٥٠ هـ)، وقيل غير ذلك.
    انظر: "تهذيب الكمال" (٢٨/ ٤٣٤)، و"السير" (٧/ ٢٠١).
  2. (١) ساقط من (ك).
  3. (٢) انظر: "مجموع الفتاوى" (٤/ ٢٦٤)، وراجع "الروح" (٢/ ٦٧٨).
  4. (٣) أخرجه: البخاري في "صحيحه" رقم (٣٢٢٨، ٤٤٥٩، ٤٤٦١، ٦٢٤٠، ٧٠٧٧)، ومسلم في "صحيحه" رقم (٢٦٥٢).
  5. (٤) من قوله: "قدَّره الله عليَّ. . ." إلى هنا؛ ساقط من (ز). وكلمة "الحديث" - بعدها - ساقط من (ك) و(ح) و(م).
24

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي