التبيان

و"الطَّحْو": هو مَدُّ الأرض وبسطُها١، وتوسيعُها ليستقرَّ عليها٢ الأنامُ والحيوانُ، ويمكن فيها البِنَاء٣ والغِرَاس والزرع، وهو متضمِّنٌ لِنُضُوب الماء عنها، وهو مِمَّا حيَّرَ عقولِ الطبائعيين، حيث كان مقتضى الطبيعة أن تَغْمُرَها كثرةُ الماء، فبُروزُ جانبٍ منها عن الماءِ على خلاف مقتضى الطبيعة، وكَوْنُه هذا الجانب المعيَّن دون غيره، مع استواء الجوانب في الشكل الكُري؛ يقتضي تخصيصًا، فلم يجدوا بُدًّا من أن يقولوا: عِنَايةُ الصانع اقتضت٤ ذلك.

قلنا: فنَعَمْ إذًا، ولكن عناية من لا مشيئةَ له، ولا إرادةَ، ولا اختيارَ، ولا علمًا بمعيَّن أصلًا - كما تقولونه فيه -: محالٌ، فعنايته تقتضي ثبوت صفاتِ كماله، ونعوتِ جلاله، وأنَّه الفعَّال يفعل باختياره ما يريد.

وكذلك "النَّفْسُ"؛ أقسمَ بها وبمن سوَّاها، وألهمها فجورها وتقواها، فإنَّ من النَّاس من يقول: هي قديمةٌ لا مبدع لها. ومنهم من يقول: بل هي التي تبدع فجورها وتقواها٥، فذكر - سبحانه - أنَّه هو الذي سوَّاها وأبدعَها، وأنَّه هو الذي ألهمها الفجور والتقوى.

فأعلمنا أنَّه خالق نفوسنا وأعمالها، وذكر لفظ "التسوية" - كما ذكره في قوله تعالى: ﴿مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ

  1. (١) انظر: "مختار الصحاح" (٤١٣)، و"القاموس" (١٦٨٤).
  2. (٢) ساقط من (ك).
  3. (٣) في (ن) و(ط): النبات.
  4. (٤) في (ن): أمضت.
  5. (٥) في (ن): وهواها.
28

فَعَدَلَكَ (٧)﴾ [الانفطار: ٦، ٧]، وفي قوله ﷿: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ [الحجر: ٢٩]- إيذانًا بدخول البدن في لفظ "النَّفْس"، كقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [الأعراف: ١٨٩] وقوله تعالى: ﴿فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النور: ٦١]. ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]، ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ١٢] ونظائره، وباجتماع "الرُّوح" مع البدن تفسير "النَّفْس" فاجرةً أو تقيةً، وإلا فـ "الرُّوح" بدون البدن لا فجور لها.

وقوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا ٩﴾؛ الضمير المرفوع في ﴿زَكَّاهَا ٩﴾ عائدٌ على١ "مَنْ"، وكذلك هو في ﴿دَسَّاهَا ١٠﴾، والمعنى قد أفلح من زكَّى نفسه، وقد خاب من دَسَّاها.

هذا هو القول الصحيح٢، وهو نظير قوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى ١٤﴾ [الأعلى: ١٤]، وهو - سبحانه - إذا ذكر الفلاح علَّقَهُ بفعل المُفْلِح، كقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ١ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ ٢﴾ [المؤمنون: ١ - ٢] إلى آخر الآيات، وقوله: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ٥﴾ [البقرة: ٥] بعد قوله: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: ٣]، وقوله: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ٥١﴾ [النور: ٥١] ونظائره.

قال الحسن: "قد أفلح من زكَّى نفسه وحملها على طاعة الله، وقد

  1. (١) بعدها في (ز) زيادة: المؤمنين، ولا مكان لها.
  2. (٢) وانظر: "إغاثة اللهفان" (١/ ١٠٩).
29

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي