التبيان

الأَوْلَاجَ، والأطرافَ، والأهضام١ لتُخْفِي أنفسَها وأماكنَها على الطالبين، فأولئك أعلَوا أنفُسَهم وزكَّوها، وهؤلاء أخفَوا أنفسَهم ودَسَّوها. وأنشد في ذلك:

وبَوَّأْتَ بيتكَ في مَعْلَمٍرَحيبِ المَباءَةِ والمَسْرَحِ
كَفَيْتَ العُفَاةَ طِلَابَ القِرَىونَبْحَ الكِلَابِ لِمُسْتنبِحِ"٢

وقال أبو العباس٣: سألتُ ابنَ الأعرابي٤ عن قوله: ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ١٠﴾ فقال: "دسَّ" معناه: دسَّ نفسَه مع الصالحين وليس

  1. (١) "الأولاج": جمع وَلَجَة، وهي موضعٌ أو كهفٌ يستتر فيه المارة من المطر أو غيره.
    و"الأهضام" والهُضُوم: جمع هَضْم أو هِضْم - بفتح الهاء وكسرها -؛ وهو المطمئنُّ من الأرض، أو بطن الوادي وأسفله.
    انظر: "لسان العرب" (١٥/ ١٠١) و(١٥/ ٣٩١).
  2. (٢) "تأويل مشكل القرآن" لابن قتيبة (٣٤٤ - ٣٤٥).
  3. (٣) هذا هو القول الثاني.
    وأبو العباس هو: أحمد بن يحيى بن سيَّار الشيباني بالولاء، المعروف بـ "ثعلب"، إمام الكوفيين في النحو واللغة والحديث، لازم ابن الأعرابي بضع عشرة سنة، من مصنفاته: "معاني القرآن"، و"الفصيح" الذي طبقت شهرته الآفاق، توفي ببغداد سنة (٢٩١ هـ) ﵀.
    انظر: "تاريخ بغداد" (٥/ ٢٠٤)، و"وفيات الأعيان" (١/ ١٠٢).
  4. (٤) هو أبو عبد الله محمد بن زياد النحوي، المعروف بـ "ابن الأعرابي"، كان إمامًا في اللغة والنحو والنَّسَب، كثير السماع والرواية، من تصانيفه: "النوادر"، و"معاني الشعر"، و"الأنواء"، توفي سنة (٢٣١ هـ) ﵀.
    انظر: "نزهة الألباء" (١٥٠)، و"إنباه الرواة" (٣/ ١٢٨).
31

منهم"١.

وعلى هذا فالمعنى٢: أخفى نفسه في الصالحين، يُرِي النَّاسَ أنَّه منهم وهو مُنْطَوٍ على غير ما ينطوي عليه الصالحون٣.

وقال طائفةٌ أخرى: الضمير يرجع إلى الله ﷾.

قال ابن عباس - في رواية عطاء -: "قد أفلَحَت نَفْسٌ زكَّاها اللهُ، فأصلَحَها"٤.

وهذا قول: مجاهد، وعكرمة، والكلبي، وسعيد بن جبير، ومقاتل٥، قالوا: سَعِدَتْ نَفْسٌ وأفلَحَت نفسٌ أصلحها الله، وطهَّرها، ووفَّقَها للطاعة، حتَّى عملت٦ بها، وخابَتْ وخَسِرَتْ نَفْسٌ أضلَّها اللهُ،

  1. (١) انظر: "تاج العروس" (١٦/ ٧٤ - ٧٥)، و"الجامع" (٢٠/ ٧٧)، و"المحرر
    الوجيز" لابن عطية (١٥/ ٤٧٣) ونسبه لثعلب، وكذا السمعاني في "تفسير القرآن" (٦/ ٢٣٣).
  2. (٢) ساقط من (ز).
  3. (٣) هذا كلام الواحدي كما عزاه إليه المؤلف في "إغاثة اللهفان" (١/ ١١٢)، ثم قال: "وهذا -وإن كان حقًّا في نفسه - لكن في كونه هو المراد بالآية نظر؛ وإنما يدخل في الآية بطريق العموم".
  4. (٤) أخرج الطبري في "تفسيره" (١٢/ ٦٠٣)، والبيهقي في "القضاء والقدر" رقم (٣٥٥)؛ من طريق: معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس؛ بلفظ: "قد أفلح من زكَّى اللهُ نفسَه، وقد خاب من دسَّ اللهُ نفسَه، فأضله الله".
    وزاد السيوطي نسبته إلى: ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وحسين في "الاستقامة". "الدر المنثور" (٦/ ٦٠٢).
  5. (٥) "تفسيره" (٣/ ٤٨٨).
  6. (٦) من (ح) و(م)، وفي باقي النسخ: عمل.
32

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي