فكيف١ يَبَرُّ الحالف في يمينه بالعدول عنه٢ إلى لفظٍ لم يَحْمَدْ به نفسه، ولا٣ ثبت عن رسوله ﷺ ولا عن سادات العارفين من أمته.
والنبي ﷺ كان إذا حمد الله في الأوقات التي٤ يتأكد فيها الحمد٥ لم يكن يذكر هذأ الحمد أَلْبَتَّة، كما في حمد الخطبة، والحمد الذي يستفتح به الأمور، وكما في تشهد الحاجة، وكما في الحمد عقيب الطعام والشراب، واللباس، والخروج من الخلاء، والحمد عند رؤية ما يسرُّه وما لا يسرُّه.
فروى البخاري في صحيحه عن أبي أمامة: أن النبي ﷺ كان إذا رفع مائدته قال: "الحمد لله، حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، غير مكفيٍّ٦، ولا مودَّعَ، ولا مُسْتَغنى٧ عنه [ربنا] "٨.
وفي لفظ آخر في هذا الحديث:
كان إذا فرغ من طعامه قال: "الحمد لله الذي كفانا، وآوانا، غير
(١) الفاء ساقط من ب (كيف).
(٢) ساقط من ب.
(٣) ساقط من أ.
(٤) في ب: الذي.
(٥) في ب: الحمد لله.
(٦) في أ زيادة: عنه.
(٧) في أ: يُسْتَغْنَ.
(٨) صحيح البخاري، كتاب الأطعمة، باب: ما يقول إذا فرغ من طعامه، رقم ٥٤٥٨. وكلمة (حمدًا) ليست في البخاري وإنما عند أبي داود (٣٨٤٩)، والترمذي (٣٤٥٦)، وابن ماجة (٣٣٤٧). وكلمة (ربنا) ساقطة من المخطوط فاستدركها من صحيح البخاري، وقد شرحها المصنف كما سيأتي ص ١٧.
مكفيٍّ، ولا مكفور"١.
فلو كان قوله (الحمد لله، حمدًا يوافي نعمه، ويكافيء مزيده) أجلَّ من هذا الحمد وأفضلَ وأكملَ لاختاره وعدل إليه؛ فإنه لم يكن يختار إلا أفضلَ الأمور وأجلَّها وأعلاها.
وسألتُ شيخَنا عن قوله: (غير مَكْفِيٍّ)، فقال: المخلوق إذا أنعم عليك بنعمةٍ أمكنكَ أن تجازيه بالجزاء أو بالثناء، والله ﷿ لا يمكن أحدٌ من العباد أن يكافيه على إنعامه أبدًا، فإن ذلك الشكر من نعمه أيضًا، أو نحو هذا من الكلام٢.
فأين هذا من قوله في الحديث المروي عن آدم: (حمدًا يوافي نعمه، ويكافيء٣ مزيده).
وقولهم إن معناه: يلاقي نعمه فتحصل مع الحمد؛ كأنهم أخذوه من قولهم: وافيتُ٤ فلانًا بمكان كذا وكذا، إذا لقيته فيه، ووافاني: إذا لقيني، والمعنى على هذا: يلتقي حمده بنعمه ويكون معها.
(١) صحيح البخاري -في نفس الموضع السابق- رقم ٥٤٥٩. وفيه "وأروانا" بدل "وآوانا"، وذكر الحافظ ابن حجر في الفتح ٩/ ٤٩٤ أن "وآوانا" وقعت في رواية ابن السكن عن الفربري، فلعل ابن القيم نقل منها.
(٢) وهذا المعنى مروي عن جماعة من السلف، انظر (الشكر) لابن أبي الدنيا رقم ٧ و٩٨ و٨٢، و(شعب الإيمان) للبيهقي ٨/ ٣٥٥ - ٣٥٦.