صيغة الحمد

مكفيٍّ، ولا مكفور"١.

فلو كان قوله (الحمد لله، حمدًا يوافي نعمه، ويكافيء مزيده) أجلَّ من هذا الحمد وأفضلَ وأكملَ لاختاره وعدل إليه؛ فإنه لم يكن يختار إلا أفضلَ الأمور وأجلَّها وأعلاها.

وسألتُ شيخَنا عن قوله: (غير مَكْفِيٍّ)، فقال: المخلوق إذا أنعم عليك بنعمةٍ أمكنكَ أن تجازيه بالجزاء أو بالثناء، والله ﷿ لا يمكن أحدٌ من العباد أن يكافيه على إنعامه أبدًا، فإن ذلك الشكر من نعمه أيضًا، أو نحو هذا من الكلام٢.

فأين هذا من قوله في الحديث المروي عن آدم: (حمدًا يوافي نعمه، ويكافيء٣ مزيده).

وقولهم إن معناه: يلاقي نعمه فتحصل مع الحمد؛ كأنهم أخذوه من قولهم: وافيتُ٤ فلانًا بمكان كذا وكذا، إذا لقيته فيه، ووافاني: إذا لقيني، والمعنى على هذا: يلتقي حمده بنعمه ويكون معها.

  1. (١) صحيح البخاري -في نفس الموضع السابق- رقم ٥٤٥٩.
    وفيه "وأروانا" بدل "وآوانا"، وذكر الحافظ ابن حجر في الفتح ٩/ ٤٩٤ أن "وآوانا" وقعت في رواية ابن السكن عن الفربري، فلعل ابن القيم نقل منها.
  2. (٢) وهذا المعنى مروي عن جماعة من السلف، انظر (الشكر) لابن أبي الدنيا رقم ٧ و٩٨ و٨٢، و(شعب الإيمان) للبيهقي ٨/ ٣٥٥ - ٣٥٦.
  3. (٣) في أ: وكافيء.
  4. (٤) في ب: واقيت.
10

وهذا ليس فيه كبير أمر، ولا فيه أن الحمد سبب النعم وجالبها١، وإنما فيه اقترانه بها، وملاقاته لها اتفاقًا، ومعلوم أن النِّعَم يلاقيها من الأمور الاتفاقية ما لا يكون سببًا في حصولها، فليس بين هذا الحديث وبين النِّعَم ارتباط يربط أحدهما بالآخر، بل فيه مجرَّد الموافاة والملاقاة التي هي أعمُّ من الاتفاقية والسببيَّة.

وكذلك قولهم (يكافيء مزيده) أي يكون كفوًا لمزيده، ويقوم بشكر ما زاده اللهُ٢ من النِّعَم والإحسان.

وهذا يحتمل معنىً صحيحًا، ومعنًى فاسدًا:

فإن أُريد به أن حمْدَ اللهِ والثناء عليه وذكرَه أجلُّ وأفضلُ من النِّعم التي أنعم بها على العبد من رزقِه وعافيته وصحته والتوسعة عليه في دنياه؛ فهذا حقٌّ يشهد له قوله ﷺ "ما أنعم الله على عبدٍ بنعمةٍ فقال الحمد لله، إلا كان ما أُعطِي أفضل مما أخذ" رواه ابن ماجة٣، فإنَّ حمْدَهُ لوليِّ النعمة٤ نعمةٌ أخرى هي أفضلُ وأنفعُ له، وأجدى٥ عائدةً من النعمة العاجلة، فإن أفضلَ

  1. (١) في ب: أن مسبب الحمد النعم وحالها.
  2. (٢) في أ: ما زاد الله.
  3. (٣) السنن برقم ٣٨٧٣، وأخرجه: ابن السني في (عمل اليوم والليلة) رقم ٣٥٦، والطبراني في (الأوسط) ٢/ ٢١١ رقم ١٣٧٩، وفي (الدعاء) رقم ١٧٢٧، والبيهقي في (شعب الإيمان) رقم ٤٠٩١، وغيرهم، وله شواهد.
    وحسنه البوصيري في (مصباح الزجاجة) ٣/ ١٩٢، والسيوطي في (الدر المنثور) ١/ ٣٤، والألباني في (الضعيفة) رقم ٢٠١١، وصححه في (صحيح الجامع) رقم ٥٥٦٣.
  4. (٤) في ب: الحمد.
  5. (٥) في أ: وأجد.
11

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي