وينتصب (ربَّنا) -على هذا- بالاختصاص والمدح، أو بالنداء٢ كأنه قال: يا ربَّنا اسمع حَمْدَنا ودعاءنا.
ومن رفعَ: قَطَع، وجعله خبرًا، كأنه قال: ذلك ربُّنا، أو أنت ربُّنا.
ويصح فيه الكسر على البدل من الاسم في قوله (الحمد لله)، انتهى كلامه٣.
وفيه قولٌ ثالثٌ: أن يكون قوله (غير مكفي، ولا مودَّع) صفة٤ للحمد، كأنه قال: حمدًا كثيرًا غير مكفيٍّ ولا مودَّعٍ ولا مستغنىً عن هذا الحمد.
وقوله "ولا مودَّع" أي غير متروك، وعلى هذا القول فيكون قوله (غير مكفي) معناه: غير مصروفٍ ومقلوبٍ عن جهته كما يُكْفَأْ الإناء، بل هو٥ حمدٌ على وجهه الدي يستحقه وليُّ الحمد وأهلهُ ويليق به، ولا ينبغي لسواه.
وأما إعراب (ربنا) فبالوجوه الثلاثة، والأحسن في رفعه أن يكون خبرًا
(١) ساقط من ب.
(٢) في ب: تأكيدًا.
(٣) هذا النقل بتمامه ذكره النووي في (الأذكار) ٣٤٠، وانظر (مشارق الأنوار) للقاضي عياض ١/ ٣٤٥، و(فتح الباري) ٩/ ٤٩٣ - ٣٩٤، و(الآداب الشرعية) لابن مفلح ٣/ ٢٠٥.
(٤) ساقط من ب.
(٥) ساقط من ب.
مقدَّمًا، مبتدؤه قوله "ولا مستغنى١ عنه".
والأحسن في جَرِّه٢ أن يكون بدلًا من الضمير المجرور في (عنه).
والأحسن في نصبه أن يكون على المدح صفةً لاسم الله تعالى.
وسمعتُ شيخنا تقي الدين بن تيمية -قدس الله روحه-٣ يقول في معنى هذا الحديث:
المخلوقُ إذا أنعم عليك بنعمةٍ أمكنك أن تكافئه، ونِعَمُه لا تدوم عليك، بل لابد أن٤ تودِّعك ويقطعها عنك، ويمكنك أن تستغني عنه، واللهُ ﷿ لا يمكن أن تكافئه على نعمه، وإذا أنعم عليك أدام نعمه، فإنه هو أغنى وأَقْنى، ولا يُستغنى عنه طرفة عينٍ، هذا معنى٥ كلامه.
والمقصود ذكر الحمد الذي كان النبي ﷺ يحمد ربَّهُ بهِ٦ في مواطن الحمد.
وعن أبي سعيد الخدري: أن النبي ﷺ كان إذا فرغ من طعامه قال: "الحمد لله الذي أطعمنا، وسقانا٧، وجعلنا مسلمين" رواه أبو داود