ويُسأل ابن حجر الهيتمي المكي (٩٧٤) عن قول السراج البلقيني إن أفضل صيغ الحمد "الحمد لله رب العالمين"، فَسَردَ أقوال العلماء في أفضل الصيغ، ثم استحسن صيغة: لَفَّقَها من سائر الأقوال، وهي "الحمد لله رب العالمين، حمدًا يوافي نعمه، ويكافيء مزيده، كما ينبغي لجلال وجهه، وعظيم سلطانه"٢.
ولربما يتوجَّه السؤال إلى صيغةٍ بعينها للاستفسار عن ثبوتها، أو عما تحمله من المعاني؛ كما هو الحال في السؤال الذي وُجِّه إلى الإمام ابن القيم ﵀، وأجاب عنه بهذه الفتيا التي بين أيدينا.
مضمون الفتيا:
السؤال الموجَّه إلى الإمام ابن القيم ﵀ يتعلق بصيغةٍ من صيغ الحمد، هي:
"الحمد لله، حمدًا يوافي نعمه، ويكافيء مزيده"؛ عن ثبوتها وصحتها، وهل ما ذكره بعضهم من أن هذه الصيغة هي أفضل الصيغ وأكملها صحيحٌ أم لا؟.
فأجاب ببطلان ذلك، وبنفي ثبوت هذه الصيغة من جهتين: من جهة الرواية، ومن جهة الدراية.
فأما من جهة الرواية فذكر أن هذه الصيغة ليس لها إسنادٌ؛ فضلًا عن
(١) انظر (الأجوبة المرضية) ٣/ ٩٠٨ - ٩١١.
(٢) انظر (الفتاوى الكبرى الفقهية) ٤/ ٢٦٣.
ثبوتها أو صحتها، وإنما هو أثرٌ يرويه أبو نصر التمَّار عن آدم ﵇، وهذا الأثر لا تقوم به حجةٌ لانقطاعه.
ثم إنه لم يرد عن أحدٍ من خلق الله المكرمين التلفظ بمثل هده الصيغة؛ لا الملائكة، ولا النبيين، ولا خيار هذه الأمة وعلى رأسهم صحابة رسول الله ﷺ، وأخذ يطيل في سرد الآيات والأحاديث الواردة في صيغ الحمد، والتي ليس فيها هذه الصيغة المسئول عنها.
وأما من جهة الدراية فقد بيَّن ﵀ أن هذه الصيغة قد تتضمن معنى فاسدًا.
ووجه ذلك؛ أن هذه الصيغة قد تفيد أن العبد بشكره للنِّعَم يكون قد أدى ما عليه من حقٍّ لله تعالى، وهذا فاسدٌ، لأنه يخالف المستفيض في النصوص الشرعية من أن نِعَم الله ﷿ لا يقوم بتمام شكرها أحدٌ، ولا يفي بحقها قول قائلٍ، فمهما أثنى العبد على ربه، وتقدم بين يديه بحمده وشكره، فحق الله أعظمُ، وإحسانه أعمُّ، ومِنَّتُه أكرم.
وهذا المعنى الذي ردَّه ابن القيم ﵀ هو المنقول عن جماعةٍ من الأئمة المتقدمين، أنهم ردُّوه، وفنَّدوه، وأبطلوه، ومن ذلك ما قاله الإمام بكر بن عبد الله المزني ﵀:
"ما قال عبدٌ قطُّ (الحمد لله) إلا وجبت عليه نعمةٌ بقوله (الحمد لله)، فما جزاء تلك النعمة؟ جزاؤها أن يقول (الحمد لله)، فجاءت نعمةٌ أخرى، فلا تنفد نِعَمُ الله ﷿"١.
(١) أخرجه: ابن أبي الدنيا في (الشكر) رقم ٧ و٩٨، والبيهقي في (شعب =