صيغة الحمد

وشكرُها عند أهل الجود والكرم أحبُّ إليهم من أموالهم، فهم يبذلونها طلبًا للثناء، والله ﷿ أكرمُ الأكرمين، وأجودُ الأجودين، فهو يبذل نعمَهُ لعباده، ويطلب منهم الثناءَ بها، وذكرَها، والحمدَ عليها، ويرضى منهم بذلك شكرًا عليها، وإن كان ذلك كلُّه من فضله عليهم، وهو غير محتاحٍ إلى شكرهم، لكنه يحب ذلك من عباده، حيث كان صلاح العبد وفلاحُه وكمالُه فيه. ومن فضله أنه نسب الحمدَ والشكر إليهم، وإن كان من أعظم نعمه عليهم، وهذا كما أنه أعطاهم ما أعطاهم من الأموال، ثم استقرض منهم بعضَه، ومدحهم بإعطائه، والكلُّ ملكُه، ومن فضله، ولكن كرمه اقتضى ذلك"١.

فهذا هو خلاصة الفتيا ومحتواها، وعين الخلاصة المذكور في هذه الفتيا قد ذكره ابن القيم ﵀ في كتاب آخر له وهو "عدة الصابرين"٢، وخَلَص فيه إلى نفس ما خلص إليه ههَنا في الفتيا مع إيجازٍ شديدٍ.

وقفةٌ مع الفتيا:

من المعروف عن ابن القيم ﵀ أنه صاحب بَسْطٍ واستقصاءٍ؛ وذلك لما يتمتع به من سعةِ اطلاعٍ، وقوةِ ذاكرةٍ، وسيلانِ ذهنٍ، فقلَّ أن يفارقه الصواب في أجوبته.

وأول ما نقرؤه في مقدمة فتياه عن مسألة الحمد تأصيله لها بنفي وجود سندٍ لهذه الصيغة، وإنما غاية الأمر أنها أثرٌ مرويٌّ عن آدم ﵇،

  1. (١) (جامع العلوم والحكم) ٢/ ٨٢ - ٨٣.
  2. (٢) (عدة الصابرين) ٢٢٨ - ٢٢٩.
11

وهدا الأثر من غرائب أبي نصر التمَّار، ولا يُدرى من أين أخذه!.

والحقيقة أن كلامه هذا غايته عدم العلم بوجود السند للأثر المروي، ومن المقرر أن عدم العلم ليس علمًا بالعدم، إلا أن العبارات الكلِّية، والقضايا العامة، إذا خرجت من مثل الإمام ابن القيم ﵀ فإن لها حظًّا عند العلماء؛ استرواحًا منهم لجلالة علومه، وغزارة معلومه.

وهذا ما حَدَا بالعلامة السَّفاريني ﵀ إلى نقل فتوى ابن القيم ﵀ إقرارًا له بتلك النتيجة؛ عندما تكلم عن صيغ الحمد في كتابه المشهور "غذاء الالباب"١.

وههنا أمور:

الأول: أن الحافظ ابن حجر ﵀ ذكر أن لهذا الأثر سندًا يرويه ابن الصلاح في أماليه.

وهدا الإسناد عزيز الوجود، ولهدا لما نقل الحافظ ابن حجر حكمَ ابن الصلاح عليه قال عقبه: "فكأنه عثر عليه حتى وصفه"٢.

والثاني: أن أبا نصر التَّمار إنما يرويه عن: محمد بن النضر الحارثي عن آدم ﵇، فالأثر ليس من رواية أبي نصر عن آدم ﵇ كما ذُكر، بل بينهما واسطة.

والثالث: أن الحافظ ابن رجب الحنبلي ﵀ ذكر أن الحديث المسئول عنه قد روي مرفوعًا وموقوفًا، واكتفى بذلك ولم

  1. (١) (غذاء الألباب) ١/ ٢٠.
  2. (٢) (التلخيص الحبير) ٤/ ٣١٧. ثم ذكر الحافظ ابن حجر أنه وقف عليه بعد ذلك.
12

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي