أسكنها آدم، فقال بعض المتكلمين: كان بستانًا جعله اللَّه تعالى له امتحانًا، ولم تكن جنَّة المأوى". وذكر بعض الاستدلال على القولين.
وممَّن ذكر الخلاف أيضًا أبو عيسى الرُّمَّاني١ في "تفسيره" واختار أنَّها جنَّة الخلد، ثمَّ قال: "والمذهبُ الَّذي اخترناهُ، قول الحسن وعمرو وواصل وأكثر أصحابنا، وهو قول أبي علي، وشيخنا أبي بكر، وعليه أهل التفسير".
واختار ابن الخطيب التوقف في المسألة، وجعله قولًا رابعًا فقال:
قال منذر بن سعيد: "والقولُ بأنَّها جنَّةٌ في الأرض ليست جنَّة الخُلْد قول أبي حنيفة وأصحابه قال: وقد رأيتُ أقوامًا نهضوا لمخالفتنا في
= الذهبي: "كان من أذكياء المتكلمين". له "المفردات" وهو مشهورٌ، والتفسير، وغيرهما، توفي في حدودِ سنة (٤٥٠ هـ). انظر: "سير أعلام النبلاء": (١٨/ ١٢٠ - ١٢١) مع الحاشية.
(١) هو علي بن عيسى بن علي أبو الحسن الرُّمَّاني ولد سنة (٢٩٦ هـ)، إمامٌ مشهورٌ في النحو والكلام، وكان معتزليًّا، قال القفطي: "وكان مع اعتزاله شيعيًا" له نحو مائة مؤلف كالتفسير وغيره، توفي سنة (٣٨٤ هـ). انظر: "تاريخ بغداد": (١٢/ ١٧)، و"طبقات المفسرين" للداوودي: (١/ ٤٢٣ - ٤٢٥). تنبيه: الصواب (ابن عيسى) بدل (أبو عيسى).
(٢) في "مفاتيح الغيب": (١/ ٥)، و"مفتاح دار السعادة": (١/ ١٤٩)، و"الأدلة النقلية ضعيفة ومتعارضة" بدلًا من "والأدلة متعارضة".
جنَّة آدم، بتصويب مذهبهم من غير حُجَّة إلَّا الدَّعاوي والأمانيَّ، ما أتوا بحجةٍ من كتاب ولا سُنَّةٍ، ولا أثر عن صاحبٍ، ولا تابع، ولا تابع التَّابع، لا موصولًا ولا شاذًّا [ولا]١ مشهورًا.
وقد أوجدناهم أنَّ فقيه العراق ومن قال بقوله، قالوا: إنَّ جنَّة آدم ليست جنَّة الخُلْد، وهذه الدَّواوين مَشْحُونة من علومهم، ليسوا عند أحدٍ من الشَّاذَّين بل من رؤساء المخالفين، وإنَّما قلتُ هذا ليعلم أنِّي لا أنصرُ مذهب أبي حنيفة، وإنَّما أنصرُ ما قام لي عليه دليل من القرآن والسنَّة.
- هذا ابن مُزَين٢ يقول في "تفسيره": "سألتُ ابن نافع عن الجنَّة أمخلوقةٌ هي؟ فقال: السكوت عن الكلام في هذا أفضل".
- وهذا ابن عيينة يقول في قوله ﷿: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا
(١) من مفتاح دار السعادة (١/ ١٦٩) للمؤلف، وسقطت من جميع النسخ.
(٢) ابن مُزَيْن هذا لعله؛ يحيى بن إبراهيم بن مزين الطليطلي أبو زكريا، مولى رملة بنت عثمان بن عفان ﵁، سمع الموطأ من القعنبي ومطرف وحبيب، له تفسير الموطأ وغيره، توفي سنة ٢٥٩ هـ. انظر: "أخبار الفقهاء والمحدثين" للخشني رقم (٤٩٥)، و"تاريخ علماء الأندلس" لابن الفرضي رقم (١٥٥٨). قلت: لعلَّ مراد المؤلف بتفسيره أي "تفسير الموطأ" -إن كان المترجم هو المقصود- فقد اشتهر بـ "تفسير يحيى بن مزين" و"تفسير الموطأ". انظر: برنامج التجيبي ص (٢٦٩)، وجذوة المقتبس للحميدي، رقم (٨٨٠)، وفهرس ابن خير رقم (١٣٧) و(١٤٨)، ومفتاح دار السَّعادة (١/ ٤٣٨).