حادي الأرواح

الباب الثالث: في سياق حُجَج من اختارَ أنَّها جنَّة الخلد التي يدخلها النَّاس يوم القيامة١

قالوا: قولنا هذا هو الَّذي فطرَ اللَّهُ عليه النَّاسَ صغيرهم وكبيرهم، لا يخطر بقلوبهم سواه، وأكثرُهم لا يَعْلَم في ذلك نزاعًا.

قالوا: وقد روى مسلم في "صحيحه"٢ من حديث أبي مالك، عن أبي حازم عن أبي هريرة، وأبي مالك عن ربعي عن حذيفة ﵄ قالا: قال رسول اللَّه ﷺ: "يجمع اللَّه تعالى النَّاسَ، فيقومُ المؤمنون حتى تُزْلَف٣ لهم الجنَّة، فيأتون آدم فيقولون: يا أبانا: استفتح لنا الجنة: فيقول: وفل أخرجكم من الجنَّة إلَّا خطيئة أبيكم؟ " وذكر الحديث.

قالوا: وهذا يدلُّ على أنَّ الجنَّة التي أُخرج منها هي بعينها التي تُطْلَبُ منه أن يستفتحها.

وفي "الصحيحين"٤ حديث احتجاج آدم وموسى، وقول موسى:

  1. (١) في "ب": "في سياق حجج من ذهب إلى أنَّها جنَّة الخلد" بدلًا من قوله "في سياق" إلى "القيامة"، وليس في "هـ": كلمة "سياق".
  2. (٢) رقم (١٩٥).
  3. (٣) أي تُقَرَّب. انظر: النهاية: (٢/ ٣٠٩).
  4. (٤) أخرجه البخاري رقم (٦٢٤٠)، ومسلم رقم (٢٦٥٢) من حديث أبي هريرة. وليس فيهما هذا اللفظُ، وإنَّما فيهما "خيَّبتنا وأخرجتنا من الجنَّة" وفي =
56

"أخْرَجْتنا ونَفْسَك من الجنَّة".

ولو كانت في الأرضِ، فهم قد خرجوا من بساتين، فلم يخرجوا من الجنَّة.

وكذلك قول آدم للمؤمنين يوم القيامة: "وهل أخرجكم من الجنَّة إلَّا خطيئة أبيكم"١، وخطيئته لم تخرجهم من جِنَان الدنيا.

قالوا: وقد قال تعالى في سورة البقرة: ﴿وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ ٣٥ فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ ٣٦﴾ [البقرة: ٣٥، ٣٦] عقيب قوله "اهبطوا" فدلَّ على أنَّهم لم يكونوا قبل ذلك في الأرض.

فهذا يدل على أنَّ هُبُوطهم كان من الجنَّة إلى الأرضِ من وجهين:

أحدهما: من لفظة: ﴿اهْبِطُوا﴾ فإنَّه نزول من علوٍّ إلى سُفل.

والثاني: قوله: ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾ [البقرة: ٣٦]. عقيب قوله: ﴿اهْبِطُوا﴾ فدلَّ على أنَّهم لم يكونوا قبل ذلك في الأرض.

ثمَّ أكَّدَ هذا بقوله تعالى في سورة الأعراف: ﴿قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ ٢٥﴾ [الأعراف: ٢٥]، ولو كانت الجنَّة في الأرضِ لكانت حياتهم فيها قبل الإخراج وبعده.

قالوا: وقد وصَفَ سبحانه جنَّة آدم بصفاتٍ لا تكون إلَّا في جنَّة

  1. = لفظ: "أنت آدمُ الَّذي أخرجتكَ خطيئتك من الجنَّة" ونحوها.
  2. (١) تقدَّم قريبًا عند مسلم.
57

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي