شؤم المعصية ومخالفة الأمر١، فذكر أبويهما أبلغُ في حصولِ هذا المعنى، من ذِكْر أَبَوَي الإنس فقط.
وقد أخبر سبحانه عن الزوجة بأنَّها أكلت مع آدم، وأخبر أنَّه أهبطه وأخرجه من الجنَّة بتلك الأكلة، فعُلِمَ أنَّ حُكْمَ الزوجة كذلك، وأنَّها صارت إلى ما صار إليه آدم.
فكان تجريد العناية إلى ذكر حال أبوي الثقلين أولى من تجريده إلى ذكر أبي الإنسِ وأُمَّهم، فتأمله.
وبالجملةِ فقوله تعالى: ﴿اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾[الأعراف: ٢٤] ظاهرٌ في الجمع٢، فلا يسوغ حمله على الاثنين في قوله تعالى: ﴿اهْبِطَا﴾[طه: ١٢٣] من غير موجب.
قالوا: وأيضًا، فالجنَّة جاءت مُعَرَّفةً بلام التعريفِ في جميع المواضع، كقوله: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾[البقرة: ٣٥]. ونظائره، ولا جنَّة يعهدها المخاطبون ويعرفونها إلَّا جنَّة الخلدِ التي وعد الرَّحمن عباده بالغيب، فقد صارَ هذا الاسمُ عَلَمًا عليها بالغلبةِ: كالمدينةِ والنَّجمِ والبيت والكتاب ونظائرها، فحيثُ ورد لفظها مُعَرَّفًا انصرف إلى الجنَّةِ المعهودةِ المعلومةِ في قلوبِ المؤمنين.
وأمَّا إنْ أُريدَ به جنَّة غيرها فإنَّها تجيءُ منكَّرةً أو مقيَّدةً بالإضافة٣،
(١) في "ج": "الآمِر" وكلاهما صحيح.
(٢) في "ج، هـ": "الجميع" وكلاهما صحيح.
(٣) قوله: "أو مقيدة بالإضافة" سقطت من "ب".
أو مقيَّدةً من السِّياقِ بما يدل على أنَّها جنةٌ في الأرضِ.
قالوا: وممَّا يدلُّ على أنَّ جنَّة آدم هي جنَّة المأوى: ما روى هوذَة بن خليفة عن عوف، عن قَسَامَة بن زهير عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: "إنَّ اللَّهَ تعالى لمَّا أخرج آدم من الجنَّة زوَّده من ثمار الجنَّة، وعلَّمه صنعة كلَّ شيء، فثماركم هذه من ثمار الجنَّة، غير أنَّ هذه تَغَيَّر، وتلك لا تغيَّر١ "٢
(١) في "هـ": "تتغيَّر، وتلك لا تتغيَّر"، وكذا عند ابن أبي حاتم في تفسيره.
(٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره: (١/ ٦٦)، والطبري في "تفسيره" (١/ ١٧٥)، وابن أبي حاتم في تفسيره رقم (٤٢١)، والحاكم في المستدرك (٢/ ٥٩٢) رقم (٣٩٩٦)، والبيهقي في البعث والنشور رقم (١٩٨)، والبزَّار في مسنده رقم (٣٠٣٠)، وابن عساكر في تاريخه (٧/ ٤١٠). من طريق هوذة ومعمر وغندر وعبد الوهاب ومحمد بن ثور وابن أبي عدي كلهم عن عوف به فذكره موقوفًا. ورواه رِبْعِي بن عُلَيَّة والعباسُ بن الفضل الأنصاري كلاهما عن عوف به مثله مرفوعًا. أخرجه البزار: (٨/ رقم ٣٠٢٩)، والروياني في مسنده رقم (٥٦٧). والصوابُ أنَّه موقوفٌ على أبي موسى الأشعري، أمَّا ربعي فقد أخطأ فيه، وأمَّا العبَّاسُ الأنصاري فمتروك الحديث، ولهذا قال البزَّار: "وهذا الحديثُ قد رواه غيرُ واحدٍ عن عوف عن قسامة عن أبي موسى موقوفًا، ولا =