حادي الأرواح

بنصِّ القرآن، قال تعالى: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى ١٢٣﴾ [طه: ١٢٣]، وكذلك في سورة البقرة: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى﴾ الآية [البقرة: ٣٨].

وأمَّا قولكم: إنَّ الجنَّة وردت مُعَرَّفةً بالَّلامِ التي للعَهدِ فتنصرف إلى جنَّة الخُلد، فقد وردت مُعَرَّفة بالَّلام، غير مرادٍ بها جنَّة الخلد قطعًا، كقوله تعالى: ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ ١٧﴾

  1. = الرازيان.
    وأخرجه أحمد في المسند: (٥/ ١٧٨) مطوَّلًا، والنسائي (٨/ ٢٧٥) مختصرًا، وابن سعد في "الطبقات": (١/ ٣٢) مختصرًا وغيرهم من طريق عبيد بن الخشخاش وأبي إدريس الخولاني عن أبي ذر فذكره.
    وليس فيه ذكر الصحف، وفيه: "قلت: يا رسول اللَّه، أي الأنبياء كان أوَّل؟ قال: آدم، قلت: يا رسول اللَّه، آدم أنبيٌ كان؟ قال: نعم، نبيٌّ مكلَّمٌ".
    ولا يثبتُ إسناده ففي طريق عبيد الخشخاش -وهو مجهول-: أبو عمر الدمشقي وهو متروك الحديث.
    وفي طريق أبي إدريس: القاسم بن محمد وهو مجهول، وقال البوصيري: هو ضعيف.
    لكن وردَ عن أبي أمامة عند ابن حبان في صحيحه (١٤/ رقم ٦١٩٠)، والطبراني في "الأوسط" رقم (٤٠٣) وفي "الكبير" رقم (٧٥٤٥) والحاكم (٢/ ٢٨٨) رقم (٣٠٣٩).
    والحديث تفرَّد به معاوية بن سلَّام عن أخيه زيد عن أبي سلَّام عن أبي أمامة كما قال الطبراني.
    والحديث صححه ابن حبان والحاكم ووافقه الذهبي، وصححه ابن كثير.
    انظر: البداية والنهاية: (١/ ٩٤).
83

[القلم: ١٧].

وقولكم: إنَّ السَّياق ها هنا دلَّ على أنَّها جنَّةٌ في الأرضِ.

قُلنا: والأدلة التي ذكرناها دلَّت على أنَّ جنة آدم ﵇ في الأرضِ، فلذلك صِرْنَا إلى مُوْجِبِهَا، إذْ لا يجوزُ تعطيل دلالة الدليل الصحيح.

وأمَّا استدلالكم بأثر أبي موسى: "أنَّ اللَّه أخرج آدم من الجنَّة وزوَّده من ثمارها"١، فليس فيه زيادة على ما دلَّ عليه القرآن، إلَّا تزوده منها، وهذا لا يقتضي أنْ تكون جنَّة الخُلْدِ.

وقوله: "إنَّ هذه تتغير، وتلك لا تتغير" فمن أين لكم أنَّ الجنَّة التي أسكنها آدم كان التَّغيُّر يَعْرِضُ لثمارها، كما يَعْرِضُ لهذه الثمار، وقد ثبتَ في الحديث الصحيح عِن النَّبي ﷺ أنه قال: "لولا بنو إسرائيل لم يَخْنَز الَّلحم"٢ أي: لم يَتَغَيَّر ولم يَنْتَنْ، وقد أبقى اللَّهُ ﷾ في هذا العالم طعامَ العُزَيْر وشَرَابَهُ مئة سنةٍ لم يتغيَّر٣.

وأمَّا قولكم: إنَّ اللَّهَ ﷾ ضَمِنَ لآدم ﵇ إنْ تابَ أن يعيده إلى الجنَّة، فلا ريبَ أنَّ الأمرَ كذلك، ولكن ليس نعلم أنَّ

  1. (١) تقدم تخريجه ص (٦٤).
  2. (٢) أخرجه البخاري رقم (٣١٥٢)، ومسلم رقم (١٤٧٠)، واللفظ للبخاري من حديث أبي هريرة ﵁.
  3. (٣) يُشير المؤلف إلى قوله تعالى: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ [البقرة: ٢٥٩]، وراجع تفسير الطبري (٣/ ٢٨).
84

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي