الباب السَّادس في جوابِ من زعمَ أنَّها جنَّة الخلد عمَّا احتجَّ به منازعوهم
قالوا: أمَّا قولكم: إنَّ اللَّهَ سبحانه أخبر أنَّ جنَّة الخلدِ إنَّما يقع الدخول إليها يوم القيامة، ولم يأتِ زمن دخولها بَعْدُ.
فهذا حقٌّ في الدخول المطلق، الَّذي هو دخول استقرارٍ ودوامٍ، وأمَّا الدخول العارض، فيقع قبل يوم القيامة.
وقد دخل النَّبي ﷺ الجنَّة ليلة الإسراء١، وأرواح المؤمنين والشهداء في البَرْزخ في الجنَّة٢، وهذا٣ غير الدخول الَّذي أخبر اللَّهُ به في يوم القيامة٤، فدخول الخُلُود إنَّما يكون يوم القيامة، فمن أين لكم أنَّ مُطْلق الدخول لا يكون في الدنيا، وبهذا خَرَجَ الجواب عن استدلالكم بكونها دار المقامة، ودار الخلد؟
قالوا: وأمَّا احتجاجكم بسائرِ الوجوهِ التي ذكرتموها في الجنَّة، وأنَّها لم توجد في جنَّة آدم ﵇ من العُري، والنصب والحزن والَّلغوِ والكذب وغيرها.
فهذا كله حقٌّ لا ننكره نحن، ولا أحد من أهل الإسلام، ولكن هذا
(١) تقدم ص (٤٣ و٤٤).
(٢) تقدم ص (٣٩ و٤٠).
(٣) في نسخة على حاشية "أ": "وهو".
(٤) قوله: "في يوم القيامة" وقع في "أ، ب، د": "في القيامة"، وجاء في "هـ": "يوم القيامة".
إذا دخلها المؤمنون يوم القيامة، كما يدل عليه سياق الآيات كلها، فإنَّ نفي ذلك مقرونٌ بدخول المؤمنين إيَّاها، وهذا لا ينفي أنْ يكونَ فيها بين أبوي١ الثقلين ما حكاهُ اللَّهُ ﷾ من ذلك، ثمَّ يصير الأمر عند دخول المؤمنين إيَّاها إلى ما أخبر اللَّهُ عنها، فلا تَنَافي بين الأمرين.
وأمَّا قولكم: إنَّها دارُ جزاءٍ وثوابٍ لا دار تكليفٍ، وقد كلَّف اللَّهَ سبحانه آدم بالنهي عن الأكل من تلك الشجرة، فدلَّ على أنَّ تلك الجنَّة دار تكليفٍ لا دار خلود.
فجوابه من وجهين:
أحدهما: أنَّه إنَّما٢ يمتنع أنْ تكون دارَ تكليفٍ إذا دخلها المؤمنون يوم القيامة، فحينئذٍ ينقطع التكليف. وأما وقوع التكليف فيها في دار الدنيا، فلا دليلَ على امتناعه البَتَّة، كيف وقد ثبت عن النَّبي ﷺ أنَّه قال: "دخلتُ٣ الجنَّة فرأيتُ امرأةً تَوَضَّأُ إلى جانب٤ قصرٍ فقلتُ لمن أنتِ. . "٥ الحديث.
(١) في "ج": "أنْ يكون فيها أبو الثقلين"، وفي "ظ": "فيها أبوي الثقلين".
(٢) سقط من "ج".
(٣) في "أ، ج، د": "دخلتُ البارحة" ولا توجد لفظة "البارحة" في الصحيحين، ولا في "ب، هـ".
(٤) في نسخة على حاشية "أ" "جنب".
(٥) هذا اللفظ مُركَّبٌ من حديثي جابر بن عبد اللَّهِ وأبي هريرة ﵃. أخرجه البخاري رقم (٤٩٢٨) من حديث جابر ﵄، ورقم (٦٦٢٢) من حديث أبي هريرة، ومسلم في صحيحه رقم (٢٣٩٤ و٢٣٩٥).