إذا دخلها المؤمنون يوم القيامة، كما يدل عليه سياق الآيات كلها، فإنَّ نفي ذلك مقرونٌ بدخول المؤمنين إيَّاها، وهذا لا ينفي أنْ يكونَ فيها بين أبوي١ الثقلين ما حكاهُ اللَّهُ ﷾ من ذلك، ثمَّ يصير الأمر عند دخول المؤمنين إيَّاها إلى ما أخبر اللَّهُ عنها، فلا تَنَافي بين الأمرين.
وأمَّا قولكم: إنَّها دارُ جزاءٍ وثوابٍ لا دار تكليفٍ، وقد كلَّف اللَّهَ سبحانه آدم بالنهي عن الأكل من تلك الشجرة، فدلَّ على أنَّ تلك الجنَّة دار تكليفٍ لا دار خلود.
فجوابه من وجهين:
أحدهما: أنَّه إنَّما٢ يمتنع أنْ تكون دارَ تكليفٍ إذا دخلها المؤمنون يوم القيامة، فحينئذٍ ينقطع التكليف. وأما وقوع التكليف فيها في دار الدنيا، فلا دليلَ على امتناعه البَتَّة، كيف وقد ثبت عن النَّبي ﷺ أنَّه قال: "دخلتُ٣ الجنَّة فرأيتُ امرأةً تَوَضَّأُ إلى جانب٤ قصرٍ فقلتُ لمن أنتِ. . "٥ الحديث.
(١) في "ج": "أنْ يكون فيها أبو الثقلين"، وفي "ظ": "فيها أبوي الثقلين".
(٢) سقط من "ج".
(٣) في "أ، ج، د": "دخلتُ البارحة" ولا توجد لفظة "البارحة" في الصحيحين، ولا في "ب، هـ".
(٤) في نسخة على حاشية "أ" "جنب".
(٥) هذا اللفظ مُركَّبٌ من حديثي جابر بن عبد اللَّهِ وأبي هريرة ﵃. أخرجه البخاري رقم (٤٩٢٨) من حديث جابر ﵄، ورقم (٦٦٢٢) من حديث أبي هريرة، ومسلم في صحيحه رقم (٢٣٩٤ و٢٣٩٥).
وغير ممتنع أن يكون فيها منْ يعمل بأمر اللَّهِ ويعبد اللَّه قبل يوم القيامة، بل هذا هو الواقع١، فإنَّ مَنْ فيها الآن مُؤْتَمَرُون بأوامر مِنْ قِبل ربَّهم لا يتعدُّونها سواء سُمِّيَ ذلك تكليفًا أو لم يُسَمَّ.
الوجه الثاني: أنَّ التكليف فيها لم يكن بالأعمالِ التي يكلَّف بها النَّاس في الدنيا: من الصيام والصلاة والجهاد ونحوها، وإنَّما كان حَجْرًا عليهما في شجرةٍ واحدةٍ من جملة أشجارها، إمَّا واحدة بالعَيْن أو بالنَّوع، وهذا القدرُ لا يمتنع وقوعه في دار الخلد، كما أنَّ كلَّ أَحَدٍ محجورٍ عليه أنْ يَقْرَبَ أهل غيرِهِ فيها، فإنْ أردْتُم بكونها ليست دار تكليفٍ امتناع وقوع مثل هذا فيها في وقت من الأوقات، فلا دليلَ عليه، وإنْ أردتم أنَّ تكاليف الدنيا منتفيةٌ عنها، فهو حقٌّ، ولكن لا يدل على مطلوبكم.
وأمَّا استدلالكم بنوم آدم فيها، والجنَّة لا ينامُ أهلها.
فهذا إنْ ثبتَ النَّقْلُ بنَوْمِ آدم، فإنَّما ينفي النوم عن أهلها يوم دخول الخلود، حيث لا يموتون، وأمَّا قبل ذلك فلا.
وأمَّا استدلالكم بقصة وسْوَسَة إبليس له بعد إهباطه، وإخراجه من السَّماء. فَلَعْمرُ اللَّهِ إنَّه لَمِنْ أقْوَى الأدلة، وأظهرها على صحة قولكم، وتلك التَّعسُّفاتِ كدخوله٢ الجنَّة، وصعوده إلى السَّماءِ بعد إهباط اللَّه له منها٣ لا يرتضيها مُنْصِف؛ ولكن لا يمتنع أن يصعد إلى هناكَ