الباب السَّابع في ذكر شُبَه من زعم أنَّ الجنَّةَ لم تُخلق بعد
قالوا: لو كانت مخلوقة الآن لوجب اضْطِرارًا إلى أنْ تَفْنى يوم القيامة، وأن يَهْلِك كل ما فيها ويموت، لقوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾[القصص: ٨٨] و﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾[آل عمران: ١٨٥]، فتموت الحور العين التي فيها والوِلْدان، وقد أخبر اللَّهُ سبحانه أنَّ الدَّار دار خلود، ومن فيها يخلدون١ لا يموتون فيها، وخبره سبحانه لا يجوز عليه خُلْف ولا نسخ.
قالوا: وقد روى الترمذي في "جامعه" من حديث ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ: "لقيتُ إبراهيم ليلةَ أُسري بي فقال: يا محمد أقرئ أُمَّتَكَ منَّي السَّلام، وأخبرهم أنَّ الجنَّة طيبةُ التربة عذبةُ الماءِ، وأنَّها قيعان، وأنَّ غراسها: سبحانَ اللَّه، والحمدُ للَّه، ولا إله إلَّا اللَّه، واللَّهُ أكبر"٢. قال: "هذا حديث حسن غريب".
وفيه أيضًا، من حديث أبي الزبير عن جابر ﵁ عن النَّبي
(١) في "د، هـ": "مخلدون".
(٢) أخرجه الترمذي رقم (٣٤٦٢)، والطبراني في الصغير رقم (٥٣٩)، وفي الأوسط (٤١٧٠). وهو حديث معل بالإرسال أعلَّه أبو حاتم وأبو زرعة الرازيان كما في العلل (١/ ١٧٠ - ١٧١). * وورد عن أبي أيوب وابن عمر. انظر: "جلاء الأفهام" ص (٣١٦ - ٣١٧).
ﷺ أنَّه قال: "من قالَ سبحانَ اللَّه وبحمدهِ، غُرِسَت له نَخلةٌ في الجنَّة"١. قال: "هذا حديثٌ حسنٌ صحيح".
قالوا: فلو كانت الجنَّة مخلوقةً مفروغًا منها، لم تكن قيعانًا، ولم يكن لهذا الغرس معنى.
قالوا: وقد قال تعالى عن امرأةِ فرعون أنَّها قالت: ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ﴾[التحريم: ١١]، ومحال أن يقول قائل لمن نسج له ثوبًا، أو بنى له بيتًا: انسج لي ثوبًا، وابن لي بيتًا.
وأصرح من هذا قول النَّبي ﷺ: "من بنى للَّه مسجدًا بنى اللَّهُ له به بيتًا في الجنَّة" متفق عليه٢.
وهذه جُمْلة مركَّبة من شَرْطٍ وجزاءٍ، تقتضي وقوع الجزاء بعد الشرط بإجماع أهل العربية، وهذا ثابتٌ عن النَّبي ﷺ من رواية عثمان ابن عفان، وعلي بن أبي طالب، وجابر بن عبد اللَّه، وأنس بن مالك، وعمرو بن عبسة٣﵃.
(١) أخرجه الترمذي برقم (٣٤٦٤ و٣٤٦٥)، وابن حبان في صحيحه (٣/ رقم ٨٢٦ و٨٢٧)، والحاكم في المستدرك (١/ ٦٨٠ و٦٩٣) رقم (١٨٤٧ و١٨٨٨) وغيرهم. قال الترمذي: "حسن غريب، لا نعرفه إلَّا من حديث أبي الزبير". انظر: تحفة الأشراف: (٢/ ٢٩٢، ٢٩٤). والحديث صححه ابن حبان والحاكم والمنذري والهيثمي.
(٢) أخرجه البخاري رقم (٤٣٩)، ومسلم رقم (٥٣٣) عن عثمان بن عفان.