حادي الأرواح

الباب التَّاسع في ذكر عدد أبواب الجنَّة

قال اللَّهُ تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ [٣٣/ ب] خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣]، وقال فى صفة النَّار: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر: ٧١] بغير واو.

فقالت طائفة: هذه واو الثمانية دخلت في أبواب الجنَّة، لكونها ثمانية، وأبواب النَّار سبعة فلم تدخل الواو.

وهذا قولٌ ضعيف لا دليل عليه، ولا تعرفه العرب، ولا أئمة العربية، وإنَّما هذا من استنباط بعض المتأخرين١.

وقالت طائفة أخرى: الواو زائدة، والجواب: الفعل الَّذي بعدها، كما هو في الآية الثانية.

وهذا أيضًا ضعيف، فإنَّ زيادة الواو غير معروف في كلامهم، ولا يليقُ بأفصح الكلام أنْ يكون فيه حرفٌ زائد بغير معنى ولا فائدة.

وقالت طائفةٌ ثالثة: الجواب محذوف، وقوله: ﴿وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر: ٧٣] عطف على قوله: ﴿جَاءُوهَا﴾.

  1. (١) * كالثعلبي وابن خالويه والحريري الأديب * وانظر: "بدائع الفوائد" للمؤلف: (٢/ ٦٦٣ - ٣٦٥) و(٣/ ٩١٥ - ٩١٩)، * و"الفصول المفيدة" للعلائي ص (١٤٢ - ٢٤٥) *.
101

هذا اختيار أبي عُبَيْدة والمُبَرِّد والزَّجَاج وغيرهم١.

قال المبرِّد: "وحذفُ الجواب أبلغ عند أهل العلم"٢.

قال أبو الفتح بن جِنِّي: "وأصحابنا يَدفعون زيادة الواوِ ولا يُجِيْزونه، ويرون أنَّ الجواب محذوفٌ للعلم به"٣.

بَقِيَ أنْ يقالَ: فما السِّرُّ في حذف الجواب في آية أهل الجنَّة، وذِكْرِهِ في آية أهل النَّارِ؟ فيقال: هذا أبلغُ في الموضعين، فإنَّ الملائكة تسوق أهل النَّارِ إليها، وأبوابُها مُغلقة، حتَّى إذا وصلوا٤ إليها فتحت في وجوههم ففجأهم٥ العذابُ بغتةً، فحين انتهوا إليها ﴿فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ بلا مُهْلَة، فإنَّ هذا شأن الجزاء المترتب على الشرط أن يكون عقيبه، فإنَّها دار الإهانة والخِزي، فلم يُسْتأذن لهم في دخولها، ويُطلبُ إلى خزنتها أنْ يمكنوهم من الدخول.

وأمَّا الجنَّة فإنَّها دار اللَّهُ، ودار كرامته، ومحل خواصّه وأوليائه، فإذا انتهوا إليها صادفوا أبوابها مغلقة فيرغبون إلى صاحبها ومالكها أنْ يفتحها لهم، ويستشفعون إليه بأُولي العزم من رسله، فكلهم يتأخَّر عن ذلك، حتَّى تقع الدَّلالة على خاتمهم وسيدهم وأفضلهم فيقول: "أنا

  1. (١) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (٤/ ٣٦٤)، و"مجاز القرآن" (٢/ ١٩٢).
  2. (٢) انظر: * المقتضب له: (٢/ ٧٧ - ٧٨) *.
  3. (٣) انظر: * "سِرّ صناعة الإعراب" له: (٢/ ٦٤٦) *.
  4. (٤) من قوله: "في الموضعين" إلى "وصلوا" سقط من "ج" ووقع في "أ، ب، د": "دخلوا"، وفي "هـ": "دخلوها" بدلًا من "وصلوا" وهو خطأ.
  5. (٥) في "ج": "فيفجئهم"، وفي نسخةٍ على حاشية "أ": "فيجيئهم".
102

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي