يُعَيِّن ما دخل عليه، وقد قالوا في "زيد نعم الرجل": إنَّ الألف والَّلام أغنت عن الضمير، واللَّهُ أعلم.
وقد أعرب الزمخشري هذه الآية إعرابًا اعْتُرِضَ عليه فيه، فقال: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ معرفة، لقوله: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ﴾[مريم: ٦١]، وانتصابها على أنَّها عطف بيان لـ ﴿لَحُسْنَ مَئَابٍ﴾، و﴿مُفَتَّحَةً﴾ حال، والعامل فيها ما في ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ من معنى الفعل، وفي ﴿مُفَتَّحَةً﴾: ضمير الجنَّات، و﴿الأَبَوَابُ﴾: بدل من الضمير، تقديره: مفتحة، هي الأبواب، كقولهم: "ضرب زيد اليد والرجل"، وهو من بدل الاشتمال"١. هذا إعرابه.
فاعتُرِضَ عليه بأنَّ ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ ليس فيها ما يقتضي تعريفها. وأمَّا قوله: ﴿الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ﴾ فَبَدَل، لا صِفَة. وبأنَّ: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ لا يسهل٢ أن تكون عطف بيان لـ ﴿لَحُسْنَ مَئَابٍ﴾ على قوله؛ لأنَّ جريان المعرفة على النكرة عطف بيان = لا قائل به، فإنَّ القائلَ قائلان:
أحدهما: أنَّه لا يكون إلَّا في المعارف، كقول البصريين.
والثاني: أنَّه يكونُ في المعارف والنَّكِرَاتِ بشرط المطابقة، كقول الكوفيين وأبي علي الفارسي.
وقوله: إنَّ في ﴿مُفَتَّحَةً﴾ ضمير الجنَّات، فالظاهر خلافه، وأنَّ ﴿الْأَبْوَابُ﴾: مرتفعٌ به، ولا ضمير فيه.
(١) انظر: "الكشاف": (٤/ ١٠٠).
(٢) في "د، هـ" ونسخةٍ على حاشية "أ": "تشتمل".
وقوله: إنَّ ﴿الْأَبْوَابُ﴾: بدلُ اشتمالٍ، فبدل الاشتمال١ قد صرَّحَ هو وغيره أنَّه لا بُدَّ فيه من الضَّمير، وإنْ نازعهم فيه آخرون، ولكن يجوزُ أنْ يكون الضمير ملفوظًا به، وأنْ يكون مُقَدَّرًا، وهنا لم يلفظْ به، فلا بُدَّ من تقديرهِ أي: الأبواب منها، فإذا كان التقدير: مفتحة لهم هي الأبواب منها، كان فيه تكثيرُ للإضمارِ، وتقليله أولى.
وفي "الصحيحين"٢: من حديثِ أبي حازم٣ عن سهل بن سعد ﵁ أنَّ رسول اللَّه ﷺ قال: "في الجنَّةِ ثمانيةُ أَبْوَابٍ، بابٌ منها يُسَمَّى الرَّيَّانُ، لَا يَدْخُلُهُ إلَّا الصَّائمون".
وفي "الصحيحين"٤ من حديث الزهري، عن حُمَيْد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ: "مَنْ أَنْفَقَ زَوجينِ من شيءٍ من الأشياء في سبيل اللَّهِ، دُعي من أبواب الجنَّة: يا عبدَ اللَّهِ هذا خيرٌ، فمن كان من أهل الصَّلاةِ دُعي من باب الصَّلاة، ومن كان من أهل الجهادِ دُعِيَ من باب الجهادِ، ومن كان من أهل الصدقة دُعي من باب الصَّدقة، ومن كان من أهل الصيام دُعي من باب الريَّان"، فقال أبو بكر: بأبي أنتَ وأُمِّي يا رسول اللَّهِ، ما على من دُعي من تلك الأبواب من ضرورةٍ، فهل يُدعى أحدٌ من تلك الأبواب كلِّها، فقال: "نعم، وأرجو أنْ تكون منهم".
(١) قوله: "فبدل الاشتمال" ليس في "ب".
(٢) البخاري رقم (٣٠٨٤)، ومسلم (١١٥٢)، واللفظ للبخاري.
(٣) في "ب": "حاتم" وهو خطأ.
(٤) أخرجه البخاري رقم (٣٤٦٦)، ومسلم رقم (١٠٢٧)، واللفظ للبخاري.