الداعي لم يدخل الدار ولم يأكل من المأدبة، فقالوا: أوَّلُوها له١ يفْقهْهَا فقال بعضهم: إنَّ العين نائمة والقلب يقظان، فالدَّارُ: الجنَّة، والدَّاعي: محمدٌ، فمن أطاع محمدًا ﷺ فقد أطاع اللَّه، ومن عصى محمدًا فقد عصى اللَّه، ومحمد فَرْقٌ٢ بين النَّاس".
ورواه الترمذي عنه ولفظه: خرج علينا رسول اللَّه ﷺ يومًا فقال: "إنِّي رأيت في المنام: كأنَّ جبريل عند رأسي، وميكائيل عند رجلي يقول أحدهما لصاحبه: اضرب له مثلًا، فقال: اسمَع سمِعتْ أذنك، واعقِلْ عَقَلَ قلبُك، إنَّما مثلُكَ ومثلُ أمَّتك كمثل ملكٍ اتخذ دارًا، ثمَّ بنى فيها بيتًا، ثمَّ جعل مائدةً، ثمَّ بعث رسولًا يدعو النَّاس إلى طعامه، فمنهم من أجاب الرسول ومنهم من تركه، فاللَّهُ هو الملكُ، والدَّارُ الإسلامُ، والبيتُ الجنَّة، وأنت يا محمد رسولٌ، فمن أجابك دخل الإسلام، ومن دخل الإسلام دخل الجنَّة، ومن دخل الجنَّة٣ أكل ما فيها"٤.
(١) من صحيح البخاري.
(٢) وفي رواية أبي ذرٍّ الهروي "فرَّق" قال الحافظ في الفتح (١٣/ ٢٥٦): "وكلاهما متَّجه".
(٣) قوله: "من دخل الجنَّة" ليس في "ب".
(٤) أخرجه الترمذي برقم (٢٨٦٠). من طريق سعيد بن أبي هلال عن جابر فذكره. قال الترمذي: "هذا حديث مرسل، سعيد بن أبي هلال، لم يدرك جابر ابن عبد اللَّه، وقد روي هذا الحديث عن النَّبي ﷺ من غير هذا الوجه، بإسناد أصح من هذا".
وصحَّح الترمذي من حديث عبد اللَّه بن مسعود ﵁ قال: "صلَّى بنا رسول اللَّه ﷺ العشاء ثمَّ انصرف، فأخذ بيدي حتى خرج بي إلى بطحاء مكة، فأجلسني ثمَّ خطَّ عليَّ خطًّا، ثمَّ قال: لا تبرحنَّ خطَّكَ، فإنَّه سينتهي إليك رجال فلا تكلمهم؛ فإنَّهم لا يكلمونك، ثمَّ مضى رسول اللَّه ﷺ حيث أراد، فبينا أنا جالسٌ في خطِّي، إذ أتاني رِجالٌ كأنَّهم الزُّطُّ١، أشعارهم وأجسامهم، لا أرى عورةً، ولا أرى قِشْرًا، وينتهون إليَّ لا يجاوزون الخطَّ، ثمَّ يصدرون إلى رسول اللَّه ﷺ حتَّى إذا كان من آخر الليل، لكن رسول اللَّه ﷺ قد جاءني وأنا جالسٌ فقال: "لقد أُراني٢ منذُ الليلة"، ثمَّ دخل عليَّ في خَطِّي فتوسَّدَ فخذي فرقد، وكان رسول اللَّه ﷺ إذا رقد نفخ، فبينا أنا قاعدٌ، ورسول اللَّه ﷺ متوسدٌ فخذي إذا أنا برجالٍ عليهم ثيابٌ بيضٌ، اللَّه أعلمُ ما بهم من الجمال، فانتهوا إليَّ فجلس طائفةٌ منهم عند رأس رسول اللَّه ﷺ، وطائفة منهم عند رجليه، ثمَّ قالوا: ما رأينا عبدًا قطُّ٣ أوتي مثل ما أوتي هذا النَّبي، إنَّ عينيه تنامان وقلبُهُ يقظان، اضربوا له مثلًا، مثلَ سيدٍ بنى قصرًا ثمَّ جعل مأدُبةً فدعا النَّاس إلى طعامه وشرابه، فمن أجابه أكلَ من طعامه وشرب من شرابه، ومن لم يجبه عاقبه أو قال عذبه، ثمَّ ارتفعوا واستيقظ رسول اللَّه ﷺ عند ذلك
(١) الزُّطّ: جيل من النَّاس. الواحد: زُطِّي، مثل: الزنج وزنجي، والرُّوم ورومي. الصحاح (١/ ٨٨٢).
(٢) في "ب": "رأى"، وفي باقي النسخ "رآني"، والمثبت من سنن الترمذي، ومعنى: "أُراني": أي لم أنم.