وفيه أيضًا: من حديث أبي سعيد يرفعه: "إنَّ في الجنَّة مائة درجة لو أنَّ العالمين اجتمعوا في إحداهنَّ لوسعتهم"١.
ورواه أحمدُ بدون لفظة: "في" كما تقدَّم. وقد رويت هذه الأحاديث بلفظة: "في" وبدونها، فإن كان المحفوظ ثبوتها فهي من جملة درجها، وإنْ كان المحفوظ سقوطها، فهي الدَّرَج الكبار المتضمنة للدَّرج الصِّغار، واللَّه أعلم.
ولا تناقض بين تقدير ما بين الدرجتين بالمائة وتقديرها بالخمس مائة لاختلاف السَّير في السرعة والبُطْءِ، والنَّبي ﷺ ذكر هذا تقريبًا للأفهام، ويدل عليه حديث زيد بن حُباب٢: حدثنا عبد الرحمن بن شُرَيح، حدَّثني أبو هانئ التُّجِيبي، سمعتُ أبا علي الجَنْبي٣ سمعت أبا سعيد الخدري ﵁ يقول: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "مائة درجة في الجنَّة ما بين الدرجتين ما بين السماء والأرض، وأبعد ممَّا بين السماء والأرض" قلتُ: يا رسول اللَّه لمن؟ قال: "للمجاهدين في سبيل اللَّهِ"٤.
= رباح قوله. قال الدَّارقطني في العلل (١١/ ١٠٣): "وهو أصحُّ".
(١) تقدم ص (١٥٧ - ١٥٨).
(٢) في "ب": "حبان"، وفي "ج": "حيان"، وفي "هـ": "خباب" وكلها خطأ.
(٣) في "ب، د، هـ": "التجيبي" وهو خطأ، انظر: تهذيب الكمال (٢٢/ ٢٠٩).
(٤) أخرجه عبد بن حميد في مسنده "المنتخب" رقم (٩٢٠)، وابن أبي الدنيا في "صفة الجنة" رقم (١٩٢). وسنده حسن.
الباب الثامن عشر في ذكر أعلى درجاتها واسم تلك الدرجة
روى مسلم في "صحيحه"١ من حديث عبد اللَّه بن٢ عمرو بن العاص ﵄ أنَّه سمع النَّبي ﷺ يقول: "إذا سمعتُم المؤذن فقولوا مثلَ ما يقول، ثمَّ صلُّوا عليَّ، فإنَّه من صلَّى عليَّ صلاةً صلَّى اللَّهُ عليه بها٣ عشرًا، ثمَّ سلُوا اللَّهَ٤ لي الوسيلة، فإنَّها منزلةٌ في الجنَّة لا تنبغي إلَّا لعبدٍ من عباد اللَّهِ، وأرجو أنْ أكون أنا هو، فمن سأل ليَ الوسيلة حلَّتْ عليه الشفاعة".
وقال أحمد: ثنا عبد الرزاق، أنبأنا سفيان، عن ليث عن كعب، عن أبي هريرة ﵁ أنَّ رسول اللَّه ﷺ قال: "إذا صليتم عليَّ فاسألوا اللَّه لي الوسيلة، قيل: يا رسول اللَّه، وما الوسيلة؟ قال: أعلى درجةٍ في الجنَّة لا ينالها إلَّا رجلٌ واحدٌ، وأرجوا أنْ أكونَ أنا هو"٥.
هكذا الرواية: "أنْ أكون أنا هو"، ووَجْهُهَا: أنْ تكون الجُملة خَبَرًا
(١) رقم (٣٨٤).
(٢) قوله: "عبد اللَّه بن" سقط من جميع النسخ، فأثبته من مسلم.
(٣) ليست في "ب، ج، د".
(٤) من صحيح مسلم.
(٥) أخرجه أحمد في المسند (٢/ ٢٦٥)، والترمذي رقم (٣٦١٢) وإسماعيل القاضي في فضل الصلاة رقم (٤٦)، وهنَّاد في الزهد رقم (١٤٧). قال الترمذي: "هذا حديث غريب، إسناده ليس بالقوي، وكعب ليس هو بمعروف، ولا نعلم أحدًا روى عنه غير ليث بن أبي سليم".