حدوده، فهذا حِفْظُها في نفس الإنسان، وذاك١ أمرُ غيرِهِ بحفظها. وأفهمت الآية: خطر النفس الإنسانية وشرفها، وعظم مقدارها، فإنَّ السلعة إذا خفي عليك قدرها فانظر إلى المشتري لها من هو، وانظر إلى الثمن المبذول فيها ما هو؟ وانظر إلى من جرى على يده عقد التبايع، فالسِّلعة: النفس، واللَّهُ سبحانه: المشتري لها، والثمن: جنَّات النعيم، والسَّفِيْر في هذا العقد: خير خلقه من الملائكة وأكرمهم عليه، وخيرهم من البشرِ وأكرمهم عليه.
قد هيؤوكَ لأَمرٍ لو فَطِنْتَ لهفارْبأْ بِنفسِكَ أَنْ تَرْعَى مَعَ الهَمَلِ٢
وفي "جامع الترمذي" من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ: "من خافَ أدلج، ومن أدلَجَ بلغَ المنزلَ، ألَا إنَّ سلعةَ اللَّهِ غاليةٌ، ألَا إنَّ سلعةَ اللَّهِ الجنَّة"٣. قال: "هذا حديثٌ حسن غريب".
(١) في "أ": "ذلك".
(٢) البيت للطغرائي في "لامية العجم". انظر: "الغيث المسجم في شرح لامية العجم" للصفدي: (٢/ ٤٣٨) وفيه "رشَّحُوك" بدل "هيَّؤوك".
(٣) أخرجه الترمذي رقم (٢٤٥٠)، والبخاري في تاريخه (٢/ ١١١) والعقيلي في "الضعفاء الكبير": (٤/ ٣٨٣) وغيرهم. من طريق يزيد بن سنان الرهاوي عن بكير بن فيروز عن أبي هريرة: والحديث منكرٌ بهذا الإسناد، تفرَّد به يزيد بن سنان أبو فروة الرهاوي وهو ضعيف. ولهذا قال الترمذي: "حسنٌ غريب. . ". وقد جاء هذا المتن من حديث أُبيِّ بن كعب عند أبي نعيم في "الحلية": =
وفي كتاب "صفة الجنَّة" لأبي نعيم من حديث أبان، عن أنس ﵁ قال: جاء أعرابي إلى رسول اللَّه ﷺ فقال: ما ثمن الجنَّة؟ قال: "لا إله إلَّا اللَّه"١. وشواهد هذا الحديث كثيرةٌ جدًّا.
وفي "الصحيحين"٢ من حديث أبي هريرة ﵁: "أنَّ أعرابيًّا جاء إلى رسول اللَّهِ ﷺ، فقال: يا رسول اللَّه، دُلَّني على عملٍ إذا عملته دخلتُ الجنَّة، فقال: "تعبد اللَّه لا تشركُ به شيئًا، وتقيمُ الصلاة المكتوبة، وتؤتي الزكاة المفروضة، وتصومُ رمضان" قال: "والَّذي
= (٨/ ٣٧٧)، والحاكم في المستدرك: (٤/ ٣٤٣) رقم (٧٨٥٢)، من طريق وكيع وعبد اللَّه بن الوليد العدني عن الثوري عن عبد اللَّه بن محمد بن عقيل عن الطفيل بن أُبي عن أبيه أُبي بن كعب فذكره، وفيه زيادة. قال أبو نعيم: "غريب تفرَّد به وكيع عن الثوري بهذا اللفظ". قلت: الراوي عن وكيع هو يحيى بن إسماعيل الواسطي، وقد خالفه الإمام أحمد وأبو كريب وعبد اللَّه بن هاشم العبدي وغيرهم كلهم رووه عن وكيع به بدون زيادة هذا المتن "من خاف أدلج. . "، وإنما بلفظ: "جاءت الراجفة تتبعها الرَّادفة. . . ". وأمَّا رواية العدني فلم يتابع عليه، فلم يروه من أصحاب الثوري إلَّا هو، ووكيع "في الرواية المرجوحة عنه". والحديث صححه الترمذي، وليس فيه هذا المتن. والحديث مدارهُ على ابن عقيل، وفيه لين.
(١) أخرجه أبو نعيم في "صفة الجنَّة"، رقم (٥١). وإسناده واهٍ جدًّا، فيه محمد بن مروان السدي: متهمٌ بالكذب، وأمَّا أسيد بن زيد، وأبان فمتروكان. انظر: ميزان الاعتدال: (١/ ١٢٤، ٤١٩).