وروى أبو نعيم: من حديث أبي الزبير، عن جابر ﵁ سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول: "لا يُدْخِلُ أحدًا منكم عمله الجنَّة، ولا يجيره من النَّار، ولا أنا إلَّا بتوحيد اللَّه"٢.
وإسنادُه على شرط مسلم، وأصل الحديث في الصحيح.
(١) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (١٣/ ٥٢٩)، وأبو نعيم في "صفة الجنة" رقم (٥٠)، وسنده صحيح.
(٢) أخرجه أبو نعيم في صفة الجنَّة رقم (٥٢). من طريق زكريا الساجي عن سلمة بن شبيب عن الحسن بن أعين عن معقل بن عبيد اللَّه عن أبي الزبير عن جابر فذكره. وأخرجه مسلم في صحيحه رقم (٢٨١٧) عن سلمة بن شبيب به بمثله إلَّا أنَّه قال: "برحمة من اللَّه" بدلًا من "بتوحيد اللَّه". - ورواه ابن لهيعة عن أبي الزبير به بمثل لفظ مسلم. أخرجه أحمد (٣/ ٣٩٤). - ورواه الأعمش عن أبي سفيان عن جابر بلفظ: "قاربوا وسدَّدوا، فإنَّه ليس أحدٌ منكم ينجيه عمله، قالوا: ولا إيَّاك يا رسول اللَّهِ؟ قال: ولا إيَّايَ، إلَّا أنْ يتغمدني اللَّهُ برحمته". أخرجه مسلم (٢٨١٧) وأحمد (٣/ ٣٣٧) وغيرها. وعليه فلفظة "بتوحيد اللَّه" شاذة واللَّه أعلم.
فصل
وها هنا أمرٌ يجب التنبيه عليه وهو: أنَّ الجنَّة إنما تُدْخَلُ برحمة اللَّه، وليس عمل العبد مستقلًّا بدخولها وإن كان سببًا، ولهذا أثبت اللَّه تعالى دخولها بالأعمال في قوله: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ٨﴾[العنكبوت: ٨]، ونفى رسول اللَّه ﷺ دخلوها بالأعمال في قوله: "لنْ يدخل أحدٌ منكم الجنَّة بعملهِ"١.
ولا تنافي بين الأمرين لوجهين:
أحدهما: ما ذكره سفيان وغيره قال: "كانوا يقولون: النجاة من النار بعفو اللَّه، ودخول الجنَّة برحمتهِ، واقتسام المنازل والدرجاتِ بالأعمال"٢.
ويدل على هذا حديث أبي هريرة ﵁ الَّذي سيأتي إنْ
(١) أخرجه البخاري في تاريخه الكبير (٤/ ٢٣٩)، والطبراني في "الكبير": (٧/ ٢٣٩ و٣٧٠) وأبو نعيم في "المعرفة" رقم (٣٧٣٤) وغيرهم. من طريق زياد بن علاقة عن شريك بن طارق فذكره. والحديث إلى زياد بن علاقة ثابت، لكن شريك مختلفٌ في صحبته. انظر: "الإنابة إلى معرفة المختلف فيهم من الصحابة": (١/ ٢٨٤ - ٢٨٥)، و"الإصابة": (٣/ ٢٠٦ - ٢٠٧). وأصح منه ما جاء عند مسلم رقم (٢٨١٦) من حديث أبي هريرة وفيه ". . . واعلموا أنه لن ينجوَ أحدٌ منكم بعمله. . . ".
(٢) لم أقف عليه، وذكر ابن الجوزي في "كشف المشكل من حديث الصحيحين": (٣/ ١١٠): ". . . أنَّهُ قد روي في بعض الأحاديث أنَّ نفسَ دخول الجنَّة بالرحمة، واقتسام الدرجات بالأعمال. . ".