حادي الأرواح

الباب العشرون في طلب أهل الجنَّة لها من ربِّهم، وطلبها لهم، وشفاعتها فيهم إلى ربها ﷿

قال تعالى حكايةً عن أولي الألباب من عباده قولهم: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ ١٩٣ رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ ١٩٤﴾ [آل عمران: ١٩٣ - ١٩٤].

والمعنى: وآتنا ما وعدتنا على ألسنةِ رُسُلِكَ من دخول الجنَّة.

وقالت طائفة: معناه، وآتنا ما وعدتنا١ على الإيمان برسلك. وليس يسهل حذف الاسم والحرف معًا، إلَّا أنْ يُقدَّر على تصديق رسلك وطاعة رسلك، وحينئذٍ فيتكافأ التقديران، ويترجَّح الأوَّل بأنَّه قد تقدَّم٢ قولهم: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا﴾ [آل عمران: ١٩٣]. وهذا صريح في الإيمان بالرسول والمُرْسِل، ثمَّ توسلوا إليه بإيمانهم أن يؤتيهم ما وعدهم على ألسُنِ٣ رسله، فإنهم إنَّما سمعوا وعده لهم٤ بذلك من الرسل، وذلك أيضًا يتضمن التصديق بهم، وأنَّهم بلَّغوهم وَعْدَهُ فصدَّقوا به، وسألوه أن

  1. (١) من قوله: "وعدتنا على ألسنة" إلى قوله "ما وعدتنا" سقط من "ج".
  2. (٢) في "ب": "بأنَّهم تقدم" بدلا من "بأنَّه قد تقدم".
  3. (٣) في "هـ": "ألسنة".
  4. (٤) ليس في "ب".
179

يؤتيهم إيَّاهُ، وهذا هو الَّذي ذكره السلف والخلف في الآية.

وقيل: المعنى وآتنا ما وعدتنا من النَّصر والظَّفَر على ألسنة الرسل.

والأوَّل أعمُّ وأكمل.

وتأمَّل: كيف تضمَّن إيمانهم به الإيمان بأمره ونهيه ورسله ووعده ووعيده، وأسمائه وصفاته وأفعاله، وصِدق وَعْدِه، والخوف من وعيده واستجابتهم لأمره، فبمجموع ذلك صاروا مؤمنين بربهم تعالى، فبذلك صحَّ لهم التوسل إلى سؤال ما وعدهم به والنجاة من عذابه.

وقد أشكلَ على بعض النَّاس سؤالهم أن ينجز لهم وعده، مع أنَّه فاعل لذلك ولا بُدَّ.

وأجاب: بأنَّ هذا تعبُّدٌ مَحْضٌ، كقوله: ﴿رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ [الأنبياء: ١١٢]، وقول الملائكة: ﴿فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ﴾ [غافر: ٧]، وخفيَ على هؤلاء أنَّ الوعد معلَّقٌ بشروطٍ منها:

- الرغبة إليه سبحانه وسؤاله أنْ ينجزه لهم.

- كما أنَّه مُعَلَّقٌ بالإيمان وموافاتهم به.

- وأنْ لا يلحقه ما يحبطه.

فإذا سألوه سبحانه أنْ ينجز لهم ما وعدهم تضمن ذلك توفيقهم وتثبيتهم وإعانتهم على الأسباب التي ينجز لهم بها وعده، وكان هذا

180

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي