مشفعتان١، وإنَّ العبدَ إذا أكثر من مسألةِ اللَّهِ الجنَّة٢، قالت الجنَّة: يا ربَّ عبدُك هذا الَّذي سألنيك فأسكنه إياي، وتقول النار: يا ربِّ عبدُكَ هذا الَّذي استعاذ بك منِّي فأعذْهُ"٣.
وقد كان جماعةٌ من السلفِ لا يسألون اللَّهَ الجنَّة ويقولون: حسبنا أن يُجِيرنا من النَّار.
- فمنهم أبو الصَّهباء صِلَة بن أَشْيَم٤: صلَّى ليلةً إلى السَّحَرِ، ثمَّ رفعَ يديه وقال: "الَّلهمَّ أجرني من النَّار: أَوَ مِثْلِي يَجْتَرِئُ أنْ يسألك الجنَّة؟ "٥.
(١) ليست في "ب، د".
(٢) من قوله: "واستعيذوا به من النار" إلى "اللَّه الجنَّة" سقط من "ج".
(٣) أخرجه أبو نعيم في صفة الجنة رقم (٧٠)، والديلمي في مسند الفردوس رقم (٢١٣) مختصرًا. وسنده ضعيف، فيه يحيى بن عبيد اللَّه -لعلَّهُ- ابن موهب القرشي المدني فيه ضعف، وله عن أبيه عن أبي هريرة مناكير. قال الحاكم: "روى عن أبيه عن أبي هريرة بنسخة أكثرها مناكير". قلتُ: ولعلَّ هذا منها. وفيه أيضًا عمر بن علي المقدمي: ثقة؛ لكنَّه يدلس تدليس السكوت، ولم يُبَيَّن هنا السَّماع. انظر: تهذيب الكمال (٣١/ ٤٤٩ - ٤٥٣).
(٤) هو البصري العابد الزاهد، زوج معاذة العدوية، قُتِلَ هو وابنه في إحدى المعارك سنة (١٦٢ هـ)، انظر: السير (٣/ ٤٩٧ - ٥٠٠).
(٥) أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء (٢/ ٢٤٠)، وفيه قصة. وسنده لا بأس به.
- ومنهم عطاء السُّليمي١: كان لا يسأل الجنَّة، فقال له صالح المُرِّي: إنَّ أبانَ حدثني عن أنس أنَّ النَّبي ﷺ قال: "يقولُ اللَّهُ ﷿: انظروا في ديوانِ عبدي، فمن رأيتموه سألني الجنَّة أعطيتُهُ، ومن استعاذني من النَّارِ أعذته"٢. فقال عطاء: كفاني أنْ يُجيرني من النَّارِ. ذكرهما أبو نعيم.
وقد روى أبو داود في "سننه" من حديث جابر في قصة معاذ وتطويله بهم، أنَّ النَّبي ﷺ قال لفتى -يعني الَّذي شكاه- "كيفَ تصنعُ يا ابن أخي إذا صليتَ؟ قال: أقرأُ بفاتحة الكتاب وأسألُ اللَّهَ الجنَّة وأعوذُ به من النَّار، وإنِّي لا أدري ما دندنتُكَ ودندنة٣ معاذ؟ فقال النَّبي ﷺ: إنِّي ومعاذًا حولها ندندن"٤.
(١) في "ب، د" ونسخةِ على حاشية "أ": "السلمي" وهو خطأ. وعطاء السليمي هو البصري العابد، أدرك أنس بن مالك، وتوفي بعد سنة ١٤٠ هـ، انظر: السير (٦/ ٨٦ - ٨٨).
(٢) أخرجه أبو نعيم في "حلية الأولياء": (٦/ ١٧٥ - ١٧٦ و٢٢٦)، وفي صفة الجنَّة رقم (٧١). وسنده ضعيف جدًّا، فيه أبان بن أبي عياش وهو متروك الحديث، وفيه صالح بن بشير المُرِّي ضعيف الحفظ. انظر: التقريب رقم (١٤٢، ٢٨٤٥).
(٣) الدَّنْدنة: أن يتكلم الرجل بالكلام تسمع نغمته ولا يُفْهَمُ، وهو أرفع من الهيْمَنَة قليلًا. انظر: النهاية (٢/ ١٣٧).
(٤) أخرجه أبو داود برقم (٧٩٣)، وابن خزيمة (١٦٣٤)، والبيهقي في السنن (٣/ ١١٦ - ١١٧) وغيرهم. والحديث صححه ابن خزيمة. =