التاسع: أنَّه بدأ بوصف الجنتين١ الأوَّلتين، وَجَعَلَهُمَا جزاءً لمن خاف مقامه، وهذا يدل على أنَّهما أعلى جزاء الخائف لمقامه، فرتَّب الجزاء المذكور على الخوف ترتيب المسبَّب على سببه، ولما كان الخائفون نوعين: مُقَرَّبين وأصحاب يمين، ذكر جَنَّتَي المقربين، ثمَّ ذكر جنَّتي أصحاب اليمين.
العاشر: أنَّهُ قال: ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ ٦٢﴾[الرحمن: ٦٢] والسِّياق يدل على أنَّه نقيض٢ فوق، كما قال الجوهري.
فإنْ قيل: فكيف انقسمت هذه الجِنَان الأربع على من خاف مقام ربه؟
قيل: لمَّا كان الخائفون نوعين كما ذكرنا، كان للمقربين منهم الجنتان العاليتان، ولأصحاب اليمين الجنتان اللتان دونهما.
فإنْ قيل: فهل الجنتان لمجموع الخائفين يشتركون فيهما، أم لكلِّ واحد جنتان وهما البستانان؟
قيل٣: هذا فيه قولان للمفسرين، ورُجِّح القول الثاني بوجهين: أحدهما: من جهة النقل. والثاني: من جهة المعنى.
(١) من "ب، ج، د، هـ".
(٢) في "ب، ج، د، هـ": "يقتضي".
(٣) من قوله: "فهل الجنتان لمجموع" إلى "قيل" سقط من "ج".
فأمَّا الَّذي من جهة النقل١، فإنَّ أصحاب هذا القول رَووا عن النَّبي ﷺ أنَّه قال: "هما بستانان في رياض الجنَّة"٢.
وأمَّا الَّذي من جهة المعنى فإنَّ إحدى الجنتين جزاء أداء الأوامر، والثانية جزاء اجتناب المحارم.
فإنْ قيل: فكيف قال في ذكر النساء ﴿فِيهِنَّ﴾ في الموضعين، ولمَّا ذكر غيرهنَّ قال ﴿فِيْهِمَا﴾؟
قيل٣: لما ذكر الفرش قال بعدها: ﴿فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ﴾[الرحمن: ٧٠] ثمَّ أعاده في الجنتين الآخرتين بهذا اللفظ، ليتشاكل٤ الَّلفظ والمعنى. واللَّهُ أعلم.
(١) من قوله: "والثاني من جهة" إلى "النقل" سقط من "ج".
(٢) ذكره الثعلبي في تفسيره (٩/ ١٨٩) بدون سند، وكذا ذكره الهروي كما في التذكرة للقرطبي ص (٣٨٢)، والجامع لأحكام القرآن (١٧/ ١٧٧). وأخرج ابن مردويه (٦/ ٢٠٣ - الدر)، عن عياض بن تميم أنه سمع رسول اللَّه ﷺ تلا ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ٤٦﴾[الرحمن/ ٤٦]، قال: "بستانان عرض كل واحد منهما مسيرة مائة عام. . . . ".
(٣) من قوله: "فكيف قال في ذكر النساء" إلى قوله "قيل" سقط من "ج".