حادي الأرواح

ولمَّا ذكر اللَّهُ تعالى أصناف بني آدم سَعيدهم وشقيهم، قسم سُعَداءهم إلى قسمين: سابقين وأصحاب يمين فقال: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ ١٠﴾ [الواقعة: ١٠].

واختلف في تقديرها على ثلاثة أقوال:

أحدها: أنَّه من باب التَّوكيد الَّلفظي، ويكون خبره قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ ١١﴾ [الواقعة: ١١].

والثاني: أنْ يكون السَّابقون الأوَّل مبتدأ، والثاني خَبَرًا له على حدِّ قولك: زيد زيد، أي زيد الَّذي سمعت به هو زيد كما قال:

أنا أبو النَّجم وَشِعْري شِعْري١

وكقول الآخر:

إذا النَّاسُ ناسٌ والنَّهارُ نهارُ٢

  1. = وغيره.
    من طريق عبد اللَّه بن وهب وابن لهيعة ومعروف بن سويد كلهم عن أبي عشانة به فذكره.
    ولفظُ ابن وهب: "إنَّ أوَّل ثلَّةٌ تدخل الجنَّة الفقراء المهاجرون الَّذي تُتَّقى بهم المكاره، إذا أُمروا سمعوا وأطاعوا وإنْ كانت لرجل منهم حاجة إلى السلطان لم تقض له حتى يموت وهي في صدره. . . ".
    وقال الحاكم عن حديث ابن وهب: "صحيح الإسناد، ولم يخرجاه".
  2. (١) البيت لأبي النجم العجلي، انظر: الكامل للمبرد (١/ ٦٢)، وخزانة الأدب للبغدادي (١/ ٤١٨).
  3. (٢) كذا في جميع النسخ، وفي مغني اللبيب ص (٨٦٣) رقم (١١١٧) "والزمان =
234

قال ابن عطية: وهذا قول سيبويه١.

والثالث: أنْ يكون السَّبقُ الأوَّل غيرَ الثاني، ويكون المعنى: السابقون في الدنيا إلى الخيرات هم السابقون يوم القيامة إلى الجنَّات، والسابقون إلى الإيمان هم السابقون إلى الجنان٢.

وهذا أظهر، واللَّهُ أعلم.

فإنْ قيل: فما تقولون في الحديث الَّذي رواه الإمام أحمد والترمذي وصحَّحه من حديث بريدة بن الحصيب قال: أصبح رسول اللَّه ﷺ فدعا بلالًا، فقال: "يا بلالُ، بمَ سبقتني إلى الجنَّة، فما دخلتُ الجنَّة قط إلَّا سمعت خَشْخَشَتَكَ أمَامي. دخلتُ البارحة فسمعتُ خَشْخَشَتَكَ أَمامي، فأتيت على قصر مُرَبَّع مشرفٍ من ذهب، فقلتُ: لمن هذا القصر؟ قالوا: لرجلٍ عربيٍّ، قلتُ: أنا عربي، لمن هذا القصر؟ قالوا: لرجل من قريش، قلتُ: أنا قرشي، لمن هذا القصر؟ قالوا: لرجلٍ من أُمَّة محمدٍ، قلت: أنا محمد، لمن هذا القَصْر؟ قالوا: لعمرَ بن الخطاب" فقال بلال: يا رسول اللَّهِ ما أَذَّنتُ قط إلَّا صليتُ ركعتين، وما أصابني حَدَثٌ قطُّ إلَّا توضأتُ عندها، ورأيتُ أنَّ للَّهِ عليَّ ركعتين٣، فقال رسول اللَّه ﷺ: بهما"٤.

  1. = زمان" بدل "النهار نهار".
  2. (١) انظر: المحرر الوجيز (١٥/ ٣٥٩).
  3. (٢) في نسخةٍ على حاشية "أ" "الجنات".
  4. (٣) من قوله: "وما أصابني حدث" إلى "ركعتين" سقط "ج".
  5. (٤) تقدم تخريجه ص (٤٤).
235

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي