فذهبت طائفة من السلف إلى أنَّ تربتها متضمنةٌ للنوعين: المِسْك والزعفران.
قال أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا محمد بن أبي عبيدة عن أبيه عن الأعمش عن مالك بن الحارث قال: قال مُغِيث بن سُمَي: "الجنَّة ترابها المسك والزعفران"١.
ويحتمل معنيين آخرين:
أحدهما: أنْ يكون التراب من زعفران، فإذا عجن بالماء صار مِسْكًا، والطين يسمَّى ترابًا، ويدل على هذا قوله في اللفظ الآخر: "ملاطها المسك"٢، والملاط: الطين، ويدل عليه أنَّ في حديث العلاء بن زياد: "ترابُها الزعفران، وطينها المسك"٣، فلمَّا كانت تربتها طيبة، وماؤها طيِّبًا، فانضمَّ أحدهما إلى الآخر حدثَ لهما طيب
(١) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (٧/ ٦٢) رقم (٣٤٠١٤) بأطول ممَّا ذكر المؤلف وفيه "جبالها المسك، وترابها الزعفران". وأبو الشيخ في العظمة رقم (٥٧٦)، وأبو نعيم في صفة الجنَّة رقم (١٦٢) واللفظ له. وسنده صحيح. ومغيث هو ابن سُمي الأوزاعي أبو أيوب الشامي، تابعيٌ ثقة، كان صاحب كتب كأبي الجَلْد ووهب بن منبه. انظر: تهذيب الكمال (٢٨/ ٣٤٨ - ٣٥٠).
(٢) تقدم ص (٢٨١).
(٣) تقدم ص (٢٨٢).
آخر فصارا مسكًا.
المعنى الثاني: أنْ يكون زعفرانًا: باعتبار اللون. مسكًا: باعتبار الرَّائحة. وهذا من أحسن شيءٍ تكون البهجة والإشراق في لون الزعفران، والرائحة في رائحة المسك١، وكذلك تشبيهها بالدرمك، وهو الخبز الصافي الَّذي يضرب لونه إلى صفرة مع لينها ونعومتها، وهذا معنى ما ذكره سفيان بن عيينة، عن ابن٢ أبي نجيح، عن مجاهد: "أرض الجنَّة من فضة، وترابها مسك"٣، فاللون في البياض لون الفضة، والرَّائحة رائحة المسك.
وقد ذكر ابن أبي الدنيا من حديث أبي بكر بن أبي سَبْرة، عن عمر ابن عطاء بن وراز٤، عن سالم أبي الغيث عن أبي هريرة ﵁ عن النَّبي ﷺ قال: "أرض الجنَّة بيضاء، عرصتها صخورُ الكافور، وقد أحاط به المسكُ مثل كثبان الرمل، فيها أنهارٌ مطردَةٌ، فيجتمع فيها أهل الجنَّة أدناهم وآخرهم، فيتعارفون، فيبعث اللَّهُ ريح الرحمة، فتهيج عليهم ريح المسك، فيرجع الرجل إلى زوجته، وقد ازدادَ حسنًا
(١) من وقوله "وهذا من أحسن. . " إلى "رائحة" سقط من "ج".
(٢) سقط من "ج".
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (٧/ ٥٣) رقم (٣٣٩٤٣) وفيه "من وَرِق. . "، وابن المبارك في الزهد -زوائد نعيم- رقم (٢٢٩)، وأبو نعيم في صفة الجنَّة برقم (١٦١) واللفظ له، وهو أثر ثابت. تنبيه: وقع في نسخة على حاشية "أ": "المسك" بدل "مسك".
(٤) في "د، هـ" ونسخة على حاشية "أ" "ورازة" وهو خطأ.